فلنتخيل سويًا، شركةٌ صناعية عريقة ذات تاريخٍ طويل، اعتمدت في منهجيتها على أساليب الإدارة التقليدية، حتى تحوّلت مسيرتها إلى حالةٍ من الجمود التي أعاقت تقدمها بشكلٍ ملحوظ، مما أدى إلى ركود سعر أسهمها لعُقود.
إلى أن ظهر قائدٌ يحمل رؤيةً جريئة للتغيير، قائدٌ لم يقف عند حلم النمو، بل عمل على تحقيقه على أرض الواقع. الرئيسة التنفيذية الجديدة للشركة لم تأت بأفكارٍ مبتكرةٍ فقط، بل جاءت أيضًا بعقليةٍ ثورية ترفض العزلة الإدارية ونقص الكفاءة، وتتصدى للوضع الراهن، عبر استغلال التكنولوجيا وعلوم التحليل لاستكشاف الفرص الضائعة والبحث عن مجالاتٍ جديدة للنمو، ومن ثم اتخاذ خطواتٍ سريعة تحقق التوازن المنشود بين تعزيز النمو وخفض التكاليف في الوقت ذاته. وهو ما أدّى لاستعادة طاقة الشركة وزيادة سعر أسهُمها بما يُقارب الضعف خلال عامين فقط.
من المؤكد أنّ الهدف الأسمى لكافة الرؤساء التنفيذيين وكبار القادة في مختلف أنحاء العالم هو تحقيق النمو المُربح. وهو ليس مجرد غايةٍ عابرة، بل هو هدفٌ طويل الأمد، أشبه بالتدريب الرياضي المستمر والدؤوب للحصول على قيمةٍ عظيمة في نهاية المطاف. فالشركات ذات النمو المرتفع تُحقق عوائد إجمالية للمساهمين تفوق مثيلاتها بنسبة 50 في المائة.1
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
ولكن، كما هي الحال مع أي هدفٍ رياضي، فإنّ تحقيق النمو المستدام والحفاظ عليه ليس بالأمر السهل. فقد أظهرت أبحاثٌ سابقةٌ لماكنزي أنّ شركةً واحدة فقط من كل عشر شركات استطاعت الحفاظ على معدل نموٍ يتجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، واحتفظت بمكانها في مؤشر قياس أداء أسواق الأسهم الأمريكية (S&P 500) على مدار 30 عامًا.2 فالنمو رحلةٌ تتطلب قدرًا من الشجاعة والتفاني والالتزام.
كشفت دراستُنا الاستقصائية الأخيرة، أن العديد من القادة يعتقدون أن منهجيات العمل التي يتبنونها تعزز النمو، وهو ما قد يُخالف الحقيقة. إذ ليس بالضرورة أن تتحول هذه الطموحات إلى سلوكياتٍ وأفعالٍ ملموسة تُترجِم النمو إلى واقع. فحتى يتمكن القادة من ترجمة الأفكار إلى أفعالٍ عليهم إحداث تغييرٍ حقيقيٍ في سلوكياتهم وطرق تفكيرهم، وهو ما يتضح من نتائج البحث الموضحة في الشكل 1 (انظر العمود الجانبيّ "نبذة حول البحث").
القادة المتميزون فقط هم من ينجحون في ابتكار مسارٍ يمكّنهم من تحقيق النمو المستدام، عبر خمس منهجياتٍ جوهرية للتفكير يتجسد أولها في إعطاء الأولوية لتحقيق الرغبة في النمو، يليها بعد ذلك اتخاذ قراراتٍ جريئة تدفعهم لتجاوز التحديات، ثم التركيز على تلبية احتياجات العملاء، بالإضافة إلى جذب المواهب والكوادر، وأخيرًا تنفيذ خطط العمل بشكلٍ مُحكم وبدقةٍ متناهية. لذا، فإن الشركات التي تتفوق في نمو الإيرادات والربحية على منافسيها في القطاع ذاته، لا تسير على نفس النهج التقليدي؛ بل تُميّزها قدرتها على سد الفجوة بين المعرفة والتطبيق، فتتحول طموحاتها إلى واقعٍ ملموس يحقق لها التميز ويضمن الاستدامة.
تتجاوز رحلة النمو كونها مجرد سباقٍ سريع، فهي أشبه بماراثون طويل يتطلب التحلي بالصبر والإصرار. فغالبًا ما يستغرق الأمر أكثر من 18 شهرًا حتى تبدأ النتائج في الظهور. ولبلوغ هذه المرحلة، لا يكفي أن يمتلك القائد الطُموح أو الذكاء التجاري فقط؛ بل يحتاج إلى تبني استراتيجيةٍ شاملة تتّسم بالشجاعة مع المرونة والقدرة على التكيف، ليكونا معًا الدعائم الأساسية لهذه المسيرة الطويلة.
1. الاستثمار في النمو حتى في أوقات الاضطراب وعدم الاستقرار
تحقيق النمو المستدام يتطلب رؤيةً واضحة وأهدافًا بعيدة المدى تتم ترجمتها إلى خطواتٍ عملية، حيث أشار 72 في المائة من المشاركين في استطلاعنا إلى وضع النمو على رأس أولوياتهم، عبر تحديد أهدافًا تفوق توقعات السوق مقارنةً بنظرائهم ممن يعملون في القطاع ذاته. بالإضافة إلى حرصهم الشديد على توحيد جهود مؤسساتهم خلف تحقيق أهدافٍ طموحة، وإعادة توزيع ما يمتلكونه من موارد ومواهب لتلبية احتياجات مبادرات وخطط العمل سواءً الفورية منها أو المستقبلية.
ومع ذلك، تكشف نتائج استطلاعنا عن وجود فجواتٍ بين طموحات القادة التنفيذيين نحو النمو من جانب، وقدرتهم على ترجمة هذه الطموحات إلى ممارساتٍ ونتائج ملموسة من جانبٍ آخر. فالقادة الذين يتفوقون في الأداء خلال فترات الصعود والهبوط الاقتصادي -عبر إعطاء الأولوية للنمو طويل الأجل على حساب المبادرات قصيرة الأجل - عادةً ما يحققون معدلات نموٍ في الإيرادات أعلى من أقرانهم. ومع ذلك، فقد أشار المشاركون في المتوسط إلى قيامهم بتخصيص 22 في المائة فقط من وقتهم للمبادرات طويلة الأجل، بينما يستحوذ التخطيط للمهام العاجلة والمشاريع متوسطة المدى على النصيب الأكبر من وقتهم (الشكل 2).
كيف يمكن للقادة الاستثمار في النمو ويعطوه الأولوية بشكل عملي وفعّال؟ لكي يحقق القادة التفوق، يجب أن تتوافق سلوكياتهم مع رؤية بعيدة المدى والتزامٍ واضح بتحقيق النمو المُستدام (اطلع على العمود الجانبيّ بعنوان "من صناعة الزجاج إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي: مسار شركة Corningالجديد لتحقيق النمو"). كما ينبغي أن تركز جهودهم على الجوانب التالية:
- استثمار المزيد من الوقت في مبادرات النمو طويلة الأجل. كثيرًا ما ينشغل القادة بالمهام اليومية التي تبدو ضروريةً وعاجلة، مما يقلل من قدرتهم على الاهتمام بالمشروعات الكبيرة ذات التأثير الاستراتيجي الفعلي. لذلك، عليهم إن أرادوا تحقيق نجاحٍ يدوم على المدى البعيد، توجيه مواردهم ووقتهم نحو المبادرات التي تُحدث فرقًا حقيقيًا، حتى وإن كانت نتائجها مؤجلة وليست فورية.
- الجرأة في تخصيص الموارد اللازمة لمبادرات النمو طويلة الأجل. تُعد القدرة على استكشاف الفرص الواعدة وتخصيص الموارد اللازمة لها واحدةً من أهم المهارات القيادية، خاصةً في ظل تزايد التحديات وقلة الموارد. وتشير الدراسات إلى أن الشركات الرائدة عادة ما تعتمد نهجًا استباقيًا منتظمًا في تقييم مبادرات النمو التي تطلقها، حيث تزيد نسبة استعدادها لعقد نقاشاتٍ شهرية أو ربع سنوية مع فرق العمل لتقييم هذه المبادرات، وتحديد ما إذا كانت تحتاج إلى خطط جديدة لتسريع بعض الجهود، أو تعديل الاتجاه، أو حتى إيقاف بعض المبادرات التي لا تحقق الأهداف المرجُوة منها، بنسبة تصل إلى 10 في المائة عن غيرها من الشركات.
- التواصل المستمر لجعل النمو هدفًا استراتيجيًا مشتركًا. فالقادة الذين يضعون النمو كهدف أساسي لفرقهم يدركون تمامًا أهمية وضوح الرؤية والأثار الإيجابية التي يمكن تحقيقها جراء التواصل المستمر بين جميع أعضاء الفريق. فإعلان الأهداف الطموحة أمام مجلس الإدارة وكافة الفِرق التنفيذية لا يرسخ الالتزام الداخلي فقط، بل يعزز أيضًا الشعور بالمساءلة الجماعية. وتشير الدراسات إلى أنّ الشركات التي تتميز بالشفافية تزيد احتمالية نجاحها بنسبة تصل إلى 80 في المائة، بفضل اعتمادها على التواصل المستمر والفعّال بين فرق العمل، والمستثمرين، وحتى الجمهور. ويتحقق ذلك من خلال تنظيم اجتماعاتٍ شاملة، وتقديم تحديثاتٍ دورية للمستثمرين، وإجراء تقييماتٍ منتظمة للأداء، مما يضمن مشاركة الإنجازات وتحفيز الجميع لتحقيق الأهداف المشتركة على المدى الطويل.
2. الجُرأة في السعيّ نحو النمو
إن تحقيق النمو المستدام يستلزم تبنّي عقليةً جريئة، قادرة على التفكير بشكلٍ إبداعي مع إدراكها للمخاطر المُحتملة ودراستها بشكل دقيق. إذ لم تعد استراتيجيات العمل التقليدية كافية أو قادرة على تحقيق النمو المستدام؛ بل يجب تطوير هذه الاستراتيجيات لتشمل استكشاف مساراتٍ غير مألوفة تفتح آفاقًا جديدة للنمو، كالتوسع خارج الحدود الجغرافية أو التوجهات المستقبلية التي لم تُستكشف بعد (اطلع على العمود الجانبيّ بعنوان "من البرازيل إلى السعودية: التوسُّع في رعاية مرضى السرطان عبر القارات"). وتُشير نتائج الاستطلاع إلى أن 83 في المائة من الشركات متميزة الأداء تُحفّز فِرقها على اختبار أفكارٍ جديدة، كما تُشجعهم على تقبُّل الفشل كجزءٍ من عملية التعلّم، على ألا يكون لهذا الفشل تبعاتٌ ضخمة، كإهدار الكثير من الوقت أو تحمُّل تكاليف باهظة. بينما تكشف النتائج أن 79 في المائة ممن شاركوا بالاستطلاع يُفضلون عامل السرعة على الإتقان فيما يتعلق بتنفيذ استراتيجيات النمو، وهو ما يعكس إدراكهم لأهمية التقدم السريع نحو الأهداف الطموحة، واستغلال الفرص المتاحة قبل ضياعها (الشكل 3).
وبالرغم من أهمية اتخاذ القرارات الجريئة، فإن الواقع يكشف عن تردد القادة في اتخاذها عند تخصيص الموارد وتوجيهها لمثل هذه القرارات، خاصةً في أوقات التقلبات وعدم الاستقرار. فوفقًا لنتائج الاستطلاع، اختار 30 في المائة فقط من المشاركين زيادة الموارد المُخصّصة لمبادرات النمو، سواء كانت في الأسواق الأساسية أو المجاورة أو حتى الجديدة منها. ولعل هذا التردد يعكس افتقارًا للشجاعة اللازمة لاتخاذ خطواتٍ استراتيجية في اللحظات الحرجة التي تتطلب تحركًا حاسمًا. علاوةً على ذلك، فقد أظهر 47 في المائة من المشاركين ميلهم للتركيز على التكتيكات قصيرة المدى، مثل ضبط الأسعار وأتمتة العمليات، بدلًا من اتخاذ خطواتٍ جريئة كالاستثمار في الابتكار أو التوسع في أسواقٍ جديدة وغير مألوفة حتى وإن كانت إمكاناتها عالية.
من أهم ما يُميز قادة الشركات ذات الأداء المرتفع، قدرتهم على اتباع الاستراتيجيات التالية:
- تبّني عقلية المخاطرة الواعية ودعم الأفكار المبتكرة والجريئة. وفقًا لما أشار إليه جيف بيزوس، مؤسس شركة أمازون ومديرها التنفيذي، قد يصبح الفشل الناتج عن تجربةٍ ما مفيدًا.3 غير أنه ينبغي علينا التفرقة بينه وبين الفشل التشغيلي الذي ينتج عن سوء التنفيذ. لذا، فإن القادة الذين يمتلكون الجرأة الكافية لخوض تجارب جديدة، رغم احتمالية عدم نجاحها، يسيرون نحو آفاقٍ أكثر رحابةً من التعلم والابتكار والنمو. فقد كشف استطلاعٌ رقمي أجرته ماكنزي في عام 2023 عن تفوق الشركات الأعلى أداءً على منافسيها بنسبة 63 في المائة، وذلك فيما يخص استعدادها لتوجيه مواردها نحو تطوير منتجاتٍ جديدة أو لدخول أسواقٍ جديدة. فيما أظهرت النتائج أيضًا تميُّز هذه الشركات بجرأتها في اقتناص الفرص للتحوُّل خارج حدود صناعاتها التقليدية بنسبة 44 في المائة مقارنةً بغيرها من الشركات الأخرى.
- تفضيل السرعة في التنفيذ على الإتقان. تتمتع الشركات المتميزة أيضًا بقدرتها على إنشاء مسارات عملٍ واضحة تتيح للفرق تنفيذ مبادرات النمو بشكلٍ استباقي، كما توفر لها استجابةً سريعة لمتغيرات السوق غير المتوقعة. وهو ما أكدته الدراسات، إذ كشفت النتائج أن 64 في المائة من الشركات المتميزة تستجيب بسرعةٍ لمواجهة التغيرات الداخلية وصدمات السوق، مما يمنحها ميزةً تنافسيةً تُتيح لها اغتنام الفرص قبل منافسيها.
3. الإنصات الجيد للعملاء
من أهم منهجيات العمل التي تتبعها الشركات المتميزة هي القدرة على الاستماع الفعلي لعملائها، وتوظيف آرائهم لتحسين تجاربهم الشرائية ودعم معدلات النمو. إذ لا تقتصر مكاسب الشركات من تحسين تجربة العملاء على تعزيز الرضا فحسب، بل تتعدد المكاسب لتشمل تحقيق عوائدٍ أعلى، ونموٍ أسرع، مع تكاليف أقل. وكما أظهرت أبحاث ماكنزي، فإن الشركات التي تضع تجربة العملاء في قلب استراتيجياتها تحقق ضعف معدل النمو في الإيرادات مقارنةً بتلك التي تغفل هذه النقاط الأساسية.4 لكن، وبالرغم من الأدلة الواضحة التي تؤكد ضرورة الاهتمام بآراء العملاء، تظهر بعض الفجوات في التنفيذ، فقد أشار 63 في المائة من المشاركين بالاستطلاع إلى اعتبارهم ملاحظات العملاء مصدرًا رئيسيًا لتوليد الأفكار المُحفزة للنمو (لتأتي بذلك في المرتبة الثانية بعد البحث والتطوير الداخلي والذي بلغت نسبته 64 في المائة). بينما أفاد 15 في المائة فقط، التزامهم بدمج هذه الآراء بشكلٍ مستمر في قراراتهم. فيما أكد 23 في المائة فقط حرصهم على التفاعل المنتظم مع العملاء ليضمنوا أن تُقدّم منتجاتهم وخدماتهم قيمةً حقيقية لعملائهم (الشكل 4). هذا التباين بين الرؤية التي تضع احتياجات العملاء كأولوية والواقع العملي لتنفيذ هذه الرؤية، يكشف عن واحدٍ من أهم التحديات الأساسية التي يجب على الشركات التغلب عليها لتحقيق النمو المستدام.
ينجح قادة الشركات المتميزة في جعل العميل محور اهتمامهم من خلال الخطوات التالية:
- التنبؤ باحتياجات العملاء المستقبلية. لا تكتفي الشركات ذات الأداء المتميز بفهم الاحتياجات الحالية لعملائها، بل تعتمد على التحليلات التنبؤية لاستشراف احتياجاتهم المستقبلية بشكل دقيق. إن نهجًا كهذا يتطلب من قادة الشركات تبنّي رؤيةً أوسع، حتى يتمكنوا من استقراء التحولات الكُبرى للأسواق وفهم رغبات العملاء الأساسية بشكلٍ أعمق، لتبدأ بعد ذلك عملية تطوير المنتجات والخدمات بما يلبي تلك الاحتياجات. لذا، يلجأ القادة الناجحون للاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات التكنولوجيا المتقدمة التي توفر لهم رؤيةٍ شاملة عن أهم التحديات التي تواجه عملائهم والفرص المتاحة لتحسين تجربتهم في الوقت المناسب. وهو ما أكدته نتائج الاستطلاع، فقد أقرّ 45 في المائة من الشركات الرائدة بالاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة لمساعدتهم في فهم احتياجات عملائهم بشكلٍ أفضل.
- استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي للاستجابة لاحتياجات العملاء. تتميز الشركات الناجحة بقدرتها على توظيف أحدث أدوات التكنولوجيا لفهم عملائها بشكل أعمق وتلبية متطلباتهم بطرق مبتكرة، ومن أبرز هذه الأدوات، الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي أحدث تحولًا جذريًا في كيفية التفاعل مع العملاء. فقد باتت الشركات تعتمد على الوكلاء الآليين المدعومين بتلك التقنيات، لتتمكن من الرد على استفسارات العملاء بالسرعة المطلوبة، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة لهم، فضلًا عن قدرة هؤلاء الوكلاء الآليين على أتمتة المهام المعقدة ما يسهم في توفير الوقت والجهد وتعزيز تجربة العملاء.
- تحويل رؤى العملاء إلى مبادرات نموٍ جديدة. لا يتوقف النجاح عند مجرد الاستجابة السريعة والتفاعل مع العملاء، بل ينبغي استغلال هذه التفاعلات وتحويلها إلى فرصٍ تدعم النمو. فالشركات المتميزة ، لا تكتفي بجمع ملاحظات ورؤى العملاء، بل تعتمد على أنظمةٍ تحليليةٍ متقدمة لتحويل تلك الرؤى إلى ابتكاراتٍ ملموسة في كل ما تقدمه من منتجاتٍ وخدمات. لعل هذه العقلية الاستباقية تعكس مدى حرص هذه الشركات على تقديم تجارب تتجاوز توقعات عملائها. (اطلع على العمود الجانبيّ بعنوان " التركيز على العملاء، سر تألق Sephora").
4. اختيار الفريق المثالي ركيزة هامة للنمو المستدام
رغم ما نشهده من تأثيرات إيجابية للثورةٍ تكنولوجية في مجال الأعمال، إلا أن العنصر البشري لا يزال حجر الزاوية الرئيسي لتحقيق النمو المستدام. فالاستثمار في المواهب يتجاوز كونه إجراءٍ تكتيكي، بل يعد استراتيجيةٌ أساسية تُعزز من قدرة الشركات على الابتكار، وترفع من إنتاجيتها، وتدعم ولاء عملائها. ومن خلال التركيز على اختيار أفضل المواهب والكوادر، تكتسب الشركات ميزةً تنافسية قوية تدعم تبنّيهم لعقلية النمو المُستدام.
ومع ذلك، تكشف الأرقام عن وجود فجوةٍ واضحة بين الوعي بأهمية جذب المواهب والقدرة على تأمينها بشكلٍ فعّال. فعلى الرغم من الاعتراف بأهمية رأس المال البشري لتعزيز قدرة الشركات على النمو، إلا أن 69 في المائة من المشاركين بعينة الاستطلاع قد أشاروا لوجود عجزٍ في القدرات البشرية داخل مؤسساتهم (الشكل 5). بينما أعرب أقل من 8 في المائة فقط من المشاركين عن ثقتهم في استراتيجياتهم الشاملة لإدارة المواهب بما يُلبي احتياجات المستقبل، بدايةً من التوظيف، وحتى الدمج وتطوير المهارات. تُظهر هذه الفجوة أن التحدي الأهم ليس في مجرد الاعتراف بالمواهب كمفتاحٍ للنمو، وإنما في ضرورة اتخاذ خطواتٍ حقيقية وملموسة لتأمين هذه المواهب وتنميتها، حتى تضمن الشركات بناء فرق عملٍ مستعدة لقيادة الابتكار وتحقيق النمو في بيئة عملٍ تنافسية تزخر بالتحديات.
في مسيرتهم نحو تحقيق النمو، يتبنى قادة الشركات المتميزة نهجًا استثنائيًا في إدارة المواهب (اطلع على العمود الجانبي بعنوان "الاعتماد على المواهب التقنية لتحقيق النمو"). يتمثل في تطوير بيئات العمل بشكلٍ يجعل النمو على رأس أولوياتها. فهؤلاء القادة يُدركون أن بناء علاقاتٍ صحية بين أعضاء الفريق لا يعزز ثقافة العمل الإيجابية فحسب، بل يفتح أيضًا آفاقًا جديدة لتحقيق التقدّم المستدام. ومن هذا المنطلق، يركّز قادة الشركات الرائدة على تنمية المواهب واستثمارها كركيزةٍ أساسية لدفع عجلة النمو، وذلك باتخاذ مجموعةٍ من الخطوات المدروسة:
- إعادة توجيه الكفاءات البارزة نحو مناطق النمو الاستراتيجية. تتّبع العديد من الشركات التقليدية نهجًا يعتمد على مكافأة الموظفين بناءً على حجم الوحدة التي يديرونها أو عدد الموظفين تحت قيادتهم، وهو ما يؤدي غالبًا إلى توجه أفضل الكفاءات لإدارة الأقسام المستقرة بالفعل بدلاً من المخاطرة بالانضمام إلى أقسامٍ حديثة حتى وإن كان نموها متوقعًا. لكن في المقابل، تعتمد الشركات المتميزة نهجًا مختلفًا، إذ تضع كوادرها المتميزة في مواقع استراتيجية محفّزة للنمو، مما يمنحهم الفرصة لِلَعب أدوارٍ مؤثرة تُبرز قدراتهم وتدعم تحقيق أهداف الشركة. وبحسب الاستطلاع، فإن 36 في المائة من هذه الشركات تعتمد نماذج مرنة لإدارة المواهب، مما يسهل عملية نقل الكفاءات البارزة بين الأقسام لتعزيز قدرتها على النمو والابتكار.
- تحويل الفشل إلى فرصةٍ للتعلم وتعزيز ثقافة المخاطرة المحسوبة. تنظر الشركات الرائدة إلى الفشل كفرصةٍ للتعلم إذا ما تم التعامل معه بسرعةٍ وبتكلفةٍ محدودة. وذلك عن طريق خلق بيئةٍ داعمة نفسيًا تُشجع على تجربة ومشاركة الأفكار، مع الأخذ في الاعتبار وضع معايير محددة لمراقبة المخاطر. هذه الاستراتيجية تسمح لقادة الشركات بالتواصل الإيجابي مع فِرقهم، مما يُلهمهم للسعي نحو تحقيق الأهداف الطموحة، حتى وإن تعدّدت المخاطر.
- استقطاب المواهب من مصادر غير تقليدية. تدرك الشركات المتميزة أهمية توسيع نطاق البحث عن الكفاءات لتشمل قطاعاتٍ موازية أو مجالاتٍ مختلفة، مما يُثري فِرق العمل بأفكارٍ جديدة ونقاشاتٍ مبتكرة. هذه الاستراتيجية تضمن تكوين فرق عملٍ متوازنة تجمع بين أصحاب الرؤى الاستراتيجية والمُنفذين ذوي الكفاءة العالية. ووفقًا للدراسات، تتميز هذه الشركات بقدرتها الفائقة على سد فجوات المواهب بنسبة تفوق 50 في المائة مقارنةً بمنافسيها، وذلك بفضل اعتمادها على التوظيف الخارجي ليس فقط على مستوى القيادة، بل على كافة المستويات التنظيمية للشركة.
5. تقليل المخاطر ودفع النمو عبر استراتيجيةٍ تنفيذية مُحكَمة وفعّالة
للحد من المخاطر المحتملة المرتبطة بالنمو، يجب أن يتبنى القادة التنفيذيون منهجًا تشغيليًا قويًا يرتكز على الانضباط والتنظيم، وفي الوقت نفسه يكون قادرًا على إدارة الأنشطة المتعلقة بالنمو ونقل استراتيجياته بطريقة فعالة، مع ضمان تحقيق مستوى عالٍ من المساءلة للفرق التنفيذية. فالنجاح في تحقيق أهداف النمو لا يعتمد فقط على التخطيط الجيد، بل يتطلب تنفيذًا دقيقًا يعكس رؤية واضحة وانضباطًا عمليًا صارمًا. (اطلع على العمود الجانبي بعنوان: "اجتماعات صباح الاثنين: كيف حفّزت إحدى القيادات التنفيذية النمو في وحدة أعمالها عبر تفعيل نظام المساءلة").
يتطلب تقليل المخاطر المرتبطة بالنمو أيضًا تبنّي القادة التنفيذيين للتكنولوجيا المناسبة كجزءٍ أساسي في كافة مراحل التخطيط والتنفيذ. فلم يعد الذكاء الاصطناعي، وخاصةً التوليدي، مجرد أداةٍ تقنية، بل أصبح مُحركًا رئيسيًا لدعم مسيرة النمو، وهو ما بات يُدركه التنفيذيون جيدًا. ومع ذلك، تُشير الدراسات إلى أن التحدي لا يكمن في فهم أهمية التكنولوجيا، بل في امتلاك الأدوات والقدرات اللازمة للاستفادة منها بفعالية. فَوِفقًا لاستطلاعنا، يعتقد 10 في المائة فقط من القادة التنفيذيين أنهم يمتلكون البيانات والرؤى الكافية لدعم مبادرات النمو الخاصة بهم، كما هو موضح في (الشكل 6). وعلى الرغم من حرص غالبية هؤلاء القادة على متابعة أداء تلك المبادرات بانتظام، إلا أن الصعوبات في استثمار التكنولوجيا الحديثة بشكلٍ فعّال لا تزال تُشكّل عائقًا أمام تحقيق الأهداف الطموحة.
وتكشف أبحاثنا الأخيرة بعض الخطوات التي قد يلجأ إليها القادة المتميزون لتحقيق النمو، ومنها:
- التعرف على المخاطر والتحديات وتصحيح المسار بسرعةٍ ومرونة. يتبنى القادة المتميزون نهجًا قائمًا على المرونة والقدرة على التكيف مع المخاطر المتغيرة خلال سعيهم لتحقيق النمو المستدام. فهم يدركون أهمية التعرف المبكر على المخاطر والتحديات التي قد تعترض طريق النمو، ويعملون على تصحيح المسار بسرعةٍ عند الحاجة. كما يعتمد هؤلاء القادة على آلياتٍ متقدمة، مثل أدوات التقييم الدورية والمراجعات المنتظمة لتحديد المخاطر ومناقشتها بشكلٍ أكثر عمقًا. إضافة إلى ذلك، يلتزمون بمراقبة مؤشرات الأداء الرئيسية المرتبطة بمبادرات النمو بنفس الدقة التي يراقبون بها المبادرات المعنيّة بتقليل التكاليف. ويُظهر الاستطلاع اعتماد أكثر من 40 في المائة من القادة المتميزين على بياناتٍ دقيقة لتقييم مدى تقدم مبادراتهم وإجراء التعديلات اللازمة للتصحيح المسار عند الحاجة. كما يعتمد نهج هؤلاء القادة على اتخاذ الخطوات الاستباقية، مع تجنبهم للمخاطرة غير المحسوبة من خلال مراقبةٍ دقيقة للأداء، حتى يُمكنهم إجراء التعديلات الاستراتيجية اللازمة إذا لم تأت النتائج وفق التوقعات.
- تذليل العقبات وإزالتها إن أمكن. لا يقتصر دور القادة المتميزين على متابعة أداء الفريق فقط، بل يحرصون على إزالة أي عقبات قد تعيق تطور أفراده. مما يتيح لكل عضوٍ في الفريق التركيز الكامل على مهامه دون وجود معوقات تعترض طريقه.
- تمكين الأفراد من اتخاذ القرارات وترسيخ ثقافة المُساءلة. يُعد تمكين الأفراد من اتخاذ القرارات وإرساء قواعد واضحة للمُساءلة أحد أهم أسُس بناء ثقافة عملٍ قائمة على الثقة والتمكين. وفي الواقع، تحرص الشركات المتميزة على فتح المجال أمام الجميع للمشاركة في عملية اتخاذ القرار، مما يمنح الأفراد المسؤولية الفعلية ويتيح لهم التأثير في نطاق عملهم، وخاصةً أولئك الذين يقودون المبادرات من بدايتها وحتى النهاية. إنّ توزيع المسؤوليات بوضوحٍ وتحديد الحوافز المناسبة لتشجيع الأفراد على التعاون الجماعي، وهو ما يخلق بيئة عملٍ تسهم في تحفيز الابتكار وتحقيق النجاح المشترك.
إن مجرد الرغبة أو الطموح في تحقيق النمو ليس كافيًا لإدراك النجاح؛ وإنما العمل الجاد والمستمر هو القادر على إحداث التغيير الفعلي. فالقادة الناجحون فقط هم من يتفانون في عملهم بشكل يومي، ويَسعون جاهدين لتحقيق أهداف مؤسساتهم وتحويل طموحاتهم إلى خططٍ ملموسة قابلة للتنفيذ عبر خطواتٍ مدروسة وقيادةٍ حاسمة.
ولتحويل الرؤى إلى خطواتٍ عملية، ينبغي على كل تنفيذيّ البدء بطرح التساؤلات الأساسية التي تضعه على الطريق الصحيح، والإجابة عنها بوضوح، ومن هذه التساؤلات ما يلي:
- هل قمتُ مؤخرًا بتخصيص موارد إضافية تدعم النمو؟ مع تزايد القيود على الموارد، تظهر العديد من الأفكار والمبادرات التي قد ينجح بعضها ويخفق بعضها الآخر. ولكن القادة الذين يضعون مبادرات النمو على رأس أولوياتهم، حتى لو استلزم ذلك اتخاذ قرارات صعبة، هم فقط من يتمكنون من تحقيق النجاح والتفوق على منافسيهم.
- هل تتسم قراراتي بالجرأة الكافية، أم تميل إلى التحّفظ؟ إذا أردت أن تحقق التغيير والنمو المطلوب، يجب أن تتحلى قراراتك ببعضٍ من الجرأة والطموح حتى وإن صاحب ذلك شعورٌ مؤقت بعدم الارتياح. ومع ذلك، إذا لاحظت أن فريقك يواجه صعوبةً في اتخاذ القرارات الحاسمة بالسرعة المطلوبة أو تعديل المسار عند الحاجة، فقد يكون ذلك مؤشرًا على عدم بذل الجهد الكافي لتخفيف المخاطر المرتبطة بهذه القرارات الجريئة.
- ما الإجراءات التي اتخذتُها مؤخرًا لتطوير استراتيجيات فهم احتياجات العملاء ومعرفة متطلباتهم؟ يُعد فهم احتياجات العملاء وتحديد متطلباتهم بدقة أساس أي استراتيجية نموٍ ناجحة. ومع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتقنيات الحديثة، أصبح من السهل الحصول على رؤى دقيقة وسريعة حول سلوكيات العملاء وتفضيلاتهم. لذلك، يحرص القادة المتميزون على الاستفادة من هذه التقنيات لتحسين استراتيجيات التعامل مع العملاء، مما يُمهّد الطريق لاتخاذ خطواتٍ عملية تعزز تجربتهم وتدعم مسيرة النمو.
- هل قمتُ بتعديل هيكل الفريق لتعزيز قدراته بما يدعم تحقيق النمو؟ إن بناء فريق عمل قوي لا يقتصر فقط على اختيار الأشخاص ذوي الخبرات المناسبة، بل يتطلب الأمر أيضًا تحقيق عنصر التوازن بين مختلف الشخصيات داخل الفريق الواحد، وذلك لضمان خلق بيئة عملٍ ديناميكية ومثمرة. وهو ما يحرص عليه قادة الشركات الرائدة، من أجل إثراء النقاش وبث روح التعاون بين جميع أعضاء فريق العمل، مما يسهم في دفع عجلة النمو والابتكار بشكل مستدام.
- ما الإجراءات التي اتّبعتُها مؤخرًا لتحقيق أفضل النتائج؟ مرة أخرى، النمو ليس مجرد نظريةٍ استراتيجية، بل هو عمليةٌ تنفيذيةٌ دقيقة تستلزم أدواتٍ وآلياتٍ فعّالة لمتابعتها ودعمها. لذا، يتعيّن على القادة التنفيذيين الراغبين في تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة تحديد الإيقاع التشغيلي المناسب لهم ولفرق عملهم، مع تحديد واتخاذ التدابير اللازمة لضمان التزام الجميع بالمسار الصحيح والتركيز الكامل على تحقيق الأهداف المرجوة.
لا يمكن تحقيق النمو بالأماني وحدها، بل تبدأ رحلة تحقيقه باتخاذ القادة خطواتٍ جادةٍ وعملية، تجمع بين الواقعية والمرونة من جهةٍ، والتفاؤل الذي يدفعهم لتجاوز أوقات عدم اليقين من جهةٍ أخرى. فمسيرة النمو تتطلب استعدادًا ذهنيًا وتنظيميًا يُمكّن الفرق والمؤسسات من التصدي لتحديات المستقبل بثقةٍ واحترافية. فعندما يتبنى القادة هذه العقلية، يصبحون قادرين على تحويل الطموحات إلى إنجازاتٍ ملموسة، تُمكنهم من وضع مؤسساتهم على الطريق الصحيح لتحقيق نجاحٍ مستدام ومستقبلٍ واعد.

نحتفل هذا العام بمرور 60 عامًا على إصدار مجلة "ماكنزي الرُبعيَّة"، وبهذه المناسبة ستقوم المجلة بإصدار 4 أعدادٍ على مدار العام، يتضمن كل واحدٍ منها عددٌ من الموضوعات الهامة المتعلقة بمستقبل الأعمال والمجتمع، إلى جانب مجموعةٍ من المواد التفاعلية، بالإضافة إلى أعدادٍ من أرشيف المجلة. ستكون هذه المقالة ضمن مقالات وموضوعات الإصدار الثالث من السلسلة، والذي سيصدر في مايو، تحت عنوان "مستقبل النمو". يمكنكم الاشتراك في قائمة تنبيهات "مجلة ماكنزي الرُبعيَّة" ليصلكم إشعارٌ بكل جديد.