الربع سنوية لماكنزي

كيف تبني فرق عمل مرنة قادرة على التكيف مع التحديات المتجددة

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

باتت الأزمات المفاجئة والتقلبات المتسارعة جزءًا من حياتنا اليومية. ومع ذلك، لم يألَف الكثيرون هذا الواقع بعد، بل يعتبرونه مصدرًا للضغط والإرهاق المستمر، يستنزف الكثير من طاقتهم.

وفي ظل هذا المشهد المتغير، تبرُز الحاجة إلى قادةٍ يتمتعون ببصيرةٍ نافذة وقدرةٍ على التكيف مع التحديات الناشئة، التي تُلقي بالكثير من الأعباء على أجندة أعمالهم سواء من حيث التوسُّع في استخدام التقنيات الحديثة التي تُعيد تشكيل بيئات العمل مثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، مرورًا بالتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي تهز العالم وتؤثر على كافة الصناعات والأعمال، وصولًا إلى التحديات المناخية التي تفرض واقعًا جديدًا على البشرية بأسرها، فضلًا عن الطفرات العلمية، مثل تحرير الجينوم وابتكارات الهندسة الحيوية، إلى جانب الحركات الاجتماعية المتنامية وتغير التركيبة السكانية للقوى العاملة، بما تحمله من توقعاتٍ جديدةٍ للموظفين.

وهو ما لم نعتده من قبل.

ففي بيئة أعمالٍ متغيرةٍ كهذه، أصبح من الضروري لقادة القرن الحادي والعشرين أن يشكّلوا فِرق عملٍ قادرة على التكيف والابتكار بفعالية لمواجهة التحديات المتجددة. إذ لم تعد القدرة على أداء المهام التقليدية كافية؛ بل يتطلب الأمر من الموظفين الاستعداد لاكتساب مهاراتٍ جديدة، وتبنّي أفكارٍ غير مألوفة، وإعادة النظر في أنماط التفكير والسلوكيات التي اعتادوا عليها. الأمر ذاته ينطبق على القادة، فيجب عليهم التحلّي بعقليةٍ منفتحةٍ على التغيير، والمضي قُدمًا نحو المستقبل بروحٍ من التجديد والمرونة.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

بالرغم من الأهمية الكُبرى لاكتساب المرونة والقدرة على التكيُّف على الصعيدين الفردي والتنظيمي، إلا أن تحقيق ذلك ليس بالأمر اليسير. فالطبيعة البشرية تسعى دائمًا نحو إرساء النظام والتنبؤ بما هو قادم، وتميل بفطرتها إلى التحكم في الأوضاع وإحكام السيطرة عليها. لذا، يسعى الإنسان دومًا لتجنب الفوضى والاضطرابات. وتشير الأبحاث إلى أنه عندما يكون المستقبل ضبابيًا، وتتزايد فيه ضغوط الوقت والأداء، يلجأ كلٌ من الأفراد وفِرق العمل إلى استخدام الحلول المألوفة التي يعرفونها مُسبقًا، حتى وإن لم تكن تلك الحلول هي الأنسب.

في بعض الأحيان، قد ينصح القادة موظفيهم وفِرقهم بالاستمرار في العمل على مواجهة الظروف المضطّربة وغير الواضحة، دون التفرقة بين اللحظات التي تتطلب منهم الصمود والمرونة وتلك التي تتطلب التكيُّف، أو محاولة فَهم التداخل بينهما. لنأخذ مثالًا على ذلك من عالم الرياضة: يُعتبر "ستيفن كاري"، نجم كرة السلة في الدوري الأمريكي، أحد أعظم مُسدّدي الرّميات الثلاثية في تاريخ اللعبة. في إحدى مباريات التصفيات، يُخطئ "ستيفن" في تسديد رميةٍ ثلاثيةٍ حاسمة في نهاية الشوط الأول. وبالرغم من ذلك، يواصل تسديداته الثلاثية في الشوط الثاني، ثقةً منه في مهارةٍ اكتسبها بتدريبٍ مستمر على مدى سنواتٍ طويلة، هذه هي المرونة. لكن، ماذا لو قرّر الدوري الأمريكي تحديد عدد الرميات الثلاثية التي يمكن للفِرق تسديدها في المباريات الحاسمة؟ عندها لن يُصبح مُجديًا "لكاري" أن يستمر في التسديد بنفس الطريقة؛ ربما يحتاج إلى تغيير استراتيجيته وتعديل أسلوبه في اللعب ليتناسب مع التحدي الجديد. وهنا تظهر أهمية أن يتحلى الشخص بالقدرة على التكيُّف.

ومثلما يحتاج الرياضيون العالميون إلى تحقيق التوازن بين المرونة والقدرة على التكيف لإدراك النجاح، فإن القادة والمؤسسات بحاجةٍ أيضًا إلى هاتين الصفتين لتحقيق النمو المستدام، والابتكار، إلى جانب الحفاظ على سلامة المؤسسة واستقرارها. تُظهِر دراسةٌ حديثة أجراها معهد ماكنزي للصحة1 مؤخرًا، أن الأفراد الذين يتمتعون بمستوياتٍ عالية من إحدى الصفتين، المرونة أو التكيف، يتمتعون بصحةٍ أفضل بشكلٍ عام، ويُظهرون مستوى أعلى من التفاعل والمشاركة في عملهم مقارنةً بزملائهم.2 لكن الأمر الذي بدى لافتًا للنظر، أن أولئك الذين يجمعون بين هاتين الخاصيتين تزداد احتمالية انخراطهم في العمل عن غيرهم بثلاث مرات، كما تزداد نسبة تبنيهم للسلوكيات الابتكارية بأربعة أضعاف أقرانهم (الشكل 1).3

ولكي يُحقق كلٌ من القادة والموظفين التوازن المطلوب بين المرونة والتكيف، عليهم أن يمتلكوا أولًا مجموعةً أساسيةً من القدرات. فالمرونة، على سبيل المثال، تتطلب عدة مهاراتٍ منها القدرة العالية على رؤية التغيير كفرصةٍ للتقدم، إلى جانب إمكانية تنظيم الأفكار والمشاعر، واستخلاص الدروس من التجارب السابقة، والعمل على تنفيذ التغييرات المطلوبة. بينما على الجانب الآخر، يتطلب التكيُّف نهجًا واعيًا للتعامل مع حالات عدم الاستقرار واليقين بعقليةٍ منفتحةٍ قادرة على التعلم والإبداع في مواجهة التحديات الجديدة. وعندما يجمع القادة والموظفون بين هذه المهارات معًا، يمكنهم تمييز اللحظات التي تستدعي المرونة فقط عن تلك التي تتطلب استجابةً تكيُّفية (تمامًا كما يفعل ستيفين كاري في الملعب). بل ويصبح بمقدورهم أيضًا دمج كلا العنصرين معًا في استراتيجياتهم وقراراتهم.

وقد كشفت أبحاثنا وتجاربنا مع القادة في مختلف الصناعات والمناطق الجغرافية عن أربعة إجراءاتٍ رئيسية يمكن للقادة اتباعها لتعزيز المرونة وزيادة القدرة على التكيف لدى أنفسهم وفرقهم، مما يزيد من فرصهم في مواجهة التقلبات. وفيما يلي ما ينبغي على القادة القيام به:

  • تحديد "بوصلة" المؤسسة واتجاهها الرئيسي، لتوحيد جهود الجميع نحو تحقيق ذات الهدف.
  • خلق بيئة عملٍ تُشعر الموظفين بالأمان النفسي، بدلاً من التعامل معهم كقوةٍ عاملةٍ للإنتاج فقط.
  • تطوير المرونة والقدرة على التكيف لدى القادة أنفسهم ليصبحوا نموذجًا يُحتذى به.
  • تشجيع الفِرق على اكتساب مهارات التكيّف والمرونة في إطار العمل الجماعي.

في هذه المقالة، سنُلقي الضوء على أحدث أبحاث ماكنزي حول المرونة والقدرة على التكيف، وسنستعرض أيضًا أثرهما المباشر على أداء الموظفين ونتائجهم. كما سنتناول بالتفصيل الإجراءات الأربعة المحورية التي تساعد القادة على ترسيخ هذه السّمات على نطاقٍ واسع داخل مؤسساتهم. في عصرنا المليء بالتحديات والاضطرابات، بات لزامًا على المؤسسات أن تبتكر سُبلًا عدة لتحويل تلك التحديات إلى فرصٍ تنافسية. وكما أشار المؤلف والمُعالج النفسيّ فيكتور فرانكل في كتابه "البحث عن معنى الحياة"، قائلًا: "عندما نعجز عن تغيير الظروف المحيطة بنا، يتعين علينا أن نواجه التحدي الأكبر بتغيير أنفسنا."

بالأرقام: المرونة والقدرة على التكيف عاملان حاسمان في أداء الأعمال

مع بزوغ الاضطرابات والتقلبات في عالم الأعمال، والتي لم تعد مجرد أحداثٍ طارئة، بل موجاتٌ متتالية من التغيرات السريعة، يجد قادة الأعمال أنفسهم أمام حاجةٍ ملحة لإعادة تقييم أساليب إدارة أنفسهم ومؤسساتهم على حدٍ سواء. وفي هذا السياق، تشير الأبحاث الحديثة التي أجرتها ماكنزي بشكلٍ عام، ومعهد ماكنزي للصحة على وجه الخصوص، إلى التأثير العميق الذي تُحدثه خاصيتا المرونة والقدرة على التكيف. كما تكشف النتائج عن الدور الحيوي لهاتين الميزتين في تشكيل مسار القادة والأفراد والمنظمات، وكذلك في الأداء العام للأعمال. فيما يلي نعرض أبرز النتائج التي أظهرتها هذه الدراسات.

عزوف المؤسسات عن الاستثمار بشكلٍ كاف في تعزيز المرونة والتكيف

كشفت أبحاث ماكنزي الأخيرة عن وجود فجوةٍ ملحوظة بين احتياجات الموظفين وأولويات أصحاب العمل فيما يتعلق بتطوير مهارات التكيف والمرونة في العديد من المؤسسات. فقد أظهر استطلاع "اتجاهات المواهب" الذي سبق وأجرته ماكنزي، عن اهتمام نسبةٍ صغيرةٍ فقط من الشركات العالمية تبلغ 16 في المائة، بالاستثمار في برامج تُشجّع على التكيف والتعلم المستمر، ذلك في الوقت الذي كشف فيه البحث ذاته عن أن أكثر من ربع الموظفين بنسبة 26 في المائة من أصل 10,000 موظف شملهم الاستطلاع يرون أن التكيف هو المهارة الأهم التي يجب أن يكتسبوها. وتبدو هذه الفجوة أكثر تأثيرًا على فئاتٍ بعينها، كالعاملين بالصفوف الأمامية أو الجدد الذين لم تتجاوز فترة عملهم العام الواحد.4

شعور الأفراد بعدم الجاهزية لمواجهة التحديات المستمرة والتغيرات المفاجئة في بيئة العمل

كشفت دراسةٌ أجراها معهد ماكنزي للصحة على 30,000 موظفٍ حول العالم لتقييم واستقراء مستويات المرونة والتكيف في بيئات العمل،5 عن ضرورة تعزيز قيمتي المرونة والتكيف معًا، إذ لا يكفي أن يكون الأفراد قادرين على مواجهة التحديات دون أن ينظروا إليها كفرصٍ للنمو والتطور. تمحورت الدراسة حول جانبين رئيسيين: الأول يُقيّم مدى شعور الموظفين بالثقة والجاهزية للتعامل مع الأحداث غير المتوقعة، والثاني يستكشف إلى أي مدى يتعامل الموظفون بإيجابيةٍ، وإلى أي مدى يستمتعون بالتعامل مع المتغيرات والظروف المفاجئة. وقد أظهرت النتائج تباينًا لافتًا بين الجانبين، إذ أفاد 23 في المائة فقط من المشاركين بأنهم يجمعون بين القدرة على مواجهة الأحداث غير المتوقعة والنظر إليها بإيجابية. فيما أعرب 56 في المائة عن شعورهم بالثقة والقدرة على التكيف مع الأحداث المفاجئة، بينما أبدى 28 في المائة فقط من المشاركين شعورًا إيجابيًا تجاه مواجهة المتغيرات الطارئة والمفاجئة.

الأمان النفسي وأهميته لاكتساب المرونة والقدرة على التكيف

أظهرت أبحاثٌ سابقة لماكنزي أهمية عنصر الأمان النفسي في تحقيق قيادةٍ فعالة وأداءٍ تنظيمي متميز. فهو يوفر بيئة عملٍ صحية تسمح للعاملين بالتعبير عن أفكارهم المبتكرة وآرائهم المختلفة دون الخوف من الانتقاد أو الرفض. وهو ما يُرسّخ مفهوم التعاون ويخلق فرصًا حقيقية للابتكار. كما تؤكد أبحاث معهد ماكنزي للصحة أن بيئات العمل التي توفر الأمان النفسي للموظفين تشهد مستوياتٍ أعلى من التفاعل والسلوك الابتكاري لديهم، بزيادةٍ تفوق الضعفين مقارنةً بتلك التي تفتقر لهذا العنصر الحيوي.6 أما أحدث دراساتنا، والتي تناولنا فيها مفهومي المرونة والقدرة على التكيف، فقد كشفت نتائجها عن قوة الجمع بين الأمان النفسي وهاتين المهارتين. فعلى سبيل المثال، أدّى الجمع بين عامليّ المرونة والأمان النفسي إلى زيادةٍ مستويات التفاعل بين الموظفين بمقدار 3.6 ضعف، بينما ارتفعت مؤشرات السلوك الابتكاري بمقدار 3.9 ضعفًا. وبالمِثل، أسفر دمج القدرة على التكيف مع الأمان النفسي عن زيادةٍ في السلوك الابتكاري بنسبة 3.3 ضعفًا، في حين ارتفعت مستويات التفاعل بمقدار 2.9 ضعف.

الدّعم التنظيمي القوي ركيزةً أساسية لتحقيق التميُّز المؤسسي

تُظهر أبحاث معهد ماكنزي للصحة أن تلقّي الموظفين دعمًا تنظيميًا فعّال (مثل وضوح العمليات، وجود موارد كافية، التعاون المثمر بين المشرفين والزملاء) يُسهم بشكلٍ كبير في تشجيع الموظفين على المشاركة وإطلاق العنان لسلوكهم الابتكاري، خاصةً إذا توافرت بقية العناصر الأخرى من الشعور بالأمان النفسي والمرونة والقدرة على التكيف، فإن احتمالية تحقيق ذلك تزداد بستة أضعاف مقارنةً بأقرانهم الذين يفتقرون إلى مثل هذه المقوّمات، كما هو موضح في (الشكل 2).7

ربط النقاط مع بعضها البعض: تنمية مهارات المرونة والقدرة على التكيف على نطاقٍ واسع

لتوحيد عناصر المرونة والقدرة على التكيف وتعزيز تكاملهما معًا على نطاقٍ واسع داخل المؤسسات، يمكن للقادة اتخاذ خطواتٍ استراتيجية تتمثّل في أربع ممارساتٍ رئيسية تُعيد صياغة المناخ التنظيمي وتساعد المؤسسات على مواجهة التغيرات المتسارعة بمرونةٍ واستعداد. إذ تهدف هذه الممارسات الأربع لخلق بيئة عملٍ تمنح الموظفين شعورًا بالسيطرة والثقة، مع تمكينهم من اكتساب المهارات اللازمة لمواجهة التحديات أينما ظهرت ومتى ظهرت.

تحديد "بوصلة" المؤسسة واتجاهها الرئيسي

مع التحولات السريعة التي تشهدها المؤسسات، تظهر أهمية تحديد القادة التنفيذيين أهدافًا واضحة وقيمًا أساسية تُوجّه مسار العمل، بما يضمن تحقيق نتائج مثمرة وعدم هدر الجهود المبذولة. هذه الأهداف والقيم المتمثّلة في الالتزام بالهدف، تحرّي الصدق والشفافية في جميع القرارات، والتمسك بالقيم الأساسية للمؤسسة، جميعها تُعطي رؤيةً موحدة تعزز شعور الأفراد وفِرق العمل بالاستقرار وتوجههم نحو تحقيق الأولويات المشتركة. فمثلًا، يمكن أن يحدد القائد قيمةً أساسية للعمل، تُركّز على "إعطاء الأولوية للعملاء في جميع القرارات والإجراءات" كهدفٍ رئيسي، ليظل تركيز الجميع منصبًا على ذلك الهدف كمحورٍ أساسي لكافة الجهود، مهما ظهر أمامهم من تحدياتٍ غير متوقعة، كتغيرات السوق الطارئة التي قد تشغلهم عن غايتهم الرئيسية وتصرِف أنظارهم نحو أمورٍ أخرى كالتفكير في إعادة ابتكار تصاميم مختلفة للمنتجات، أو تعلم مهاراتٍ جديدة، أو حتى باعتماد أساليب عملٍ أكثر ابتكارًا. لذا فإن تحديد الأهداف والأولويات يوفر إطارًا ثابتًا للتعامل مع المُتغيرات، ويضمن تعاون الجميع لتحقيق نتائج تتماشى مع القيم والأهداف المؤسسية.

بالإضافة إلى عنصر تحديد الهدف، يجب على القادة أيضًا وضع آلياتٍ دقيقة تتيح لهم متابعة تقدم المؤسسة نحو تحقيق الأهداف بشكلٍ منهجيٍ ومدروس. ولا يجب أن يتوقف الأمر عند وضع المؤشرات، بل يجب مراجعتها بانتظام لضمان انسجامها مع الأولويات الاستراتيجية للمؤسسة. كما أن الشفافية في مشاركة هذه البيانات مع الفِرق والأفراد داخل المؤسسة تُمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز العمل الجماعي. إن توافر مثل هذه المعلومات يسهم في توجيه الجميع نحو تحقيق رؤيةٍ شاملة ومشتركة تتوافق مع مستجدات البيئة المحيطة، وضمان عدم إهدار الجهود على الأهداف المحدودة أو الفردية التي قد تفقد أهميتها في ظل التغيرات المتسارعة.

خلق بيئة عمل تُشعر الموظفين بالأمان النفسي، بدلاً من التعامل معهم كقوةٍ عاملة للإنتاج فقط

عندما يتحدث الأفراد عن العناصر التي تجعل بيئة العمل مميزةً، عادةً ما تكون العلاقات مع الزملاء في مقدمة هذه العوامل. فهؤلاء هم الأشخاص الذين يقضون معًا ساعاتٍ طويلة من العمل، سواءً في تطوير الأفكار، أو تسويق المنتجات، أو حل المشكلات، أو حتى في القيام بالمهام التعاونية التي تحتل جزءًا كبيرًا من يوم العمل. من هنا، نرى أن دور القائد لا يجب أن يقتصر على إدارة فريق العمل فحسب، بل عليه بناء مجتمعٍ مؤسسيٍ متماسك تصبح العلاقات بين أفراده أكثر عمقًا وإنسانية، بحيث يتحول الأفراد من مجرد مجموعةٍ تعمل بشكلٍ مستقل إلى بيئةٍ مترابطةٍ ومرنة تدعم روح الفريق والعمل الجماعي.

ولتحقيق النجاح داخل المؤسسات، يتطلب الأمر أولًا تحقيق التوازن بين عاملين أساسيين هما: الأمان النفسي والمسؤولية المشتركة، فكلاهما يُمثّل حجر الأساس في بناء بيئة عملٍ قادرة على التكيف ومواجهة التحديات. وبالرغم من ذلك، تميل العديد من المؤسسات إلى التركيز على أحدهما دون الآخر، مما يَحدّ من إمكانيات النمو الفعلي لتلك المؤسسات. فالأمان النفسي، كما أشرنا سابقًا، يفتح المجال لحواراتٍ صادقة، ونقاشاتٍ بنّاءة، وتغذيةٍ راجعةٍ شفافة، وهو ما يعزز الثقة المتبادلة ويزيد من الالتزام بالمساءلة، خاصةً عندما يشعر الأفراد بحرية مناقشة الأخطاء والتحديات التي تواجههم في الأداء بشكلٍ علنيٍ وبناء.

على سبيل المثال، تعرضت إحدى شركات السفر الكُبرى لبعض المشكلات المتعلقة بسلامة عملياتها، مما دفع قادة الشركة لاتخاذ خطواتٍ محددة لإعادة تشكيل ثقافة عملٍ جديدة داخل الشركة تُركّز على أهمية السلامة بنفس القدر الذي تُولي فيه اهتمامًا للنتائج التجارية حتى لا يؤثر الأمر على سمعتها أو أدائها العام. بالإضافة لذلك، حرص قادة الشركة على تعزيز الأمان النفسي داخل بيئة العمل عبر مكافأة الموظفين الذين يكتشفون المشكلات المحتملة أو يقومون بطرح ملاحظاتهم بشفافية. هذه الإجراءات ساهمت في تحسين إدارة المخاطر واستلهام الأفكار المبتكرة من فِرق العمل المختلفة، كما كان لها أثرٌ إيجابي على معدلات الاحتفاظ بالموظفين وزيادة تفاعلهم وارتباطهم بالمؤسسة. وفي ظل هذا التوجه الجديد، أصبح الموظفون على ثقةٍ تامة بأن أصواتهم ورؤاهم ستحظى بالاهتمام والتقدير.

تطوير المرونة والقدرة على التكيف لدى القادة أنفسهم ليصبحوا نموذجًا يُحتذى به

بالرغم من اعتبار المرونة والقدرة على التكيف من السّمات الأساسية التي ينبغي أن تتمتع بها أي مؤسسة لتصبح قادرةً على الصمود في وجه التحديات، إلا أن تحقيق هذه الغاية يبدأ من القادة أنفسهم. إذ يحتاج جميع القادة، بدءًا من كبار التنفيذيين ووصولًا إلى مديري الخطوط الأمامية، إلى تطوير مجموعةٍ من المهارات الشخصية الضرورية التي تضمن تطور العمل والتكيف مع المتغيرات بالسرعة اللازمة. من بين هذه المهارات تنمية الوعيّ الذاتي، وإدراك المواقف بشكلٍ صحيح، واكتساب المرونة الفكرية، والقدرة على التعلم المستمر، بالإضافة إلى مهارةٍ لا تقل أهميةً، وهي المرونة العاطفية التي تمكنهم من تنظيم مشاعرهم أثناء الأزمات.8 ومن هذا المنطلق، يجب على القادة التنفيذيين أن يتحلوا بالشفافية مع أنفسهم وأن يُراجعوا تجاربهم الخاصة وما واجهوه من تحدياتٍ ليستخلصوا منها الدروس المستفادة. على سبيل المثال، كيف تمكّنوا من إدارة مشاعرهم في لحظات الضغط الشديد؟ وكيف تمكّنوا من اتخاذ القرارات الصعبة في ظروفٍ غابت فيها المعلومات الكافية أو عندما لم تكن جميع الإجابات متاحة؟ وفي هذا السياق، سلّط "جون بلانت"، الرئيس التنفيذي لشركة "Howmet Aerospace"، الضوء على أهمية اكتساب المهارات المتنوعة خلال مراحل رحلة القيادة، في حواره مع مؤلفي كتاب "رحلة القيادة: كيف يتعلم المديرون التنفيذيون القيادة من الداخل إلى الخارج"، الصادر عن دار "Portfolio" للنشر في سبتمبر 2024، إذ وضّح بلانت قائلًا: "في البداية، قد يعتمد القائد على مهارات إعادة الهيكلة للتعامل مع التحديات الأولية. ولكن بعد مرور سنوات، وحين تتحول الشركة نحو مرحلة النمو، يصبح من الضروري امتلاك مجموعةٍ من المهارات الأخرى. القليل فقط من القادة هم من يملكون الخبرة والمرونة اللازمة للتكيف مع مراحل القيادة المختلفة، وإذا لم تتطور مهاراتهم بما يناسب متطلبات المرحلة، قد يضطر مجلس الإدارة لإقالتهم." لذا، من الضروري أن يأخذ القادة الوقت الكافي للتفكير وطرح الأسئلة والبحث عن إجاباتها، بل وإعادة النظر فيها بشكلٍ مستمر. فهذا النهج لا يساعد القادة فقط في تدريب فرقهم على تبني المرونة، بل يتيح لهم أيضًا تطوير قدراتهم الشخصية للتكيف مع الأوضاع المتغيرة، مما يضمن قدرتهم على قيادة المؤسسات بثقةٍ عالية في أي ظرفٍ كان.

يُمكن أن يلعب القادة التنفيذيون دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة المرونة والتكيف في مؤسساتهم، وذلك من خلال سرد تجاربهم الشخصية في التعامل مع الأزمات والتحديات التي مرُّوا بها في السابق. فهذه القصص التي تُروى في الاجتماعات العامة أو النقاشات الجماعية أو حتى في الحوارات الفردية، قد تكون مصدرًا لإلهام الفرق ومساعدتهم في التعلم من الدروس المستفادة بشكلٍ مباشر. كما يستطيع القادة أيضًا إشراك أعضاء مجلس الإدارة في برامج تدريبية لاكتساب المهارات المرتبطة بالمرونة والتكيف، مما يضمن دمج هذه القيم كجزءٍ أساسي في الثقافة التنظيمية، وهو ما يُعد خطوةً ضرورية لا غنى عنها، فالمرونة والتكيف لا تقل في الأهمية عن باقي عناصر الخطة الاستراتيجية. علاوةً على ذلك، يستطيع القادة تطوير عمليات جذب واستقطاب المواهب لتصبح المرونة والتكيف من المهارات الأساسية للحصول على الوظائف، إلى جانب تطوير برامج تدريبيةٍ مُخصّصة لهؤلاء المواهب، ودعم المتميزين منهم.

وفي سياق تنفيذ الاستراتيجيات وتحقيق النتائج، يُعد المديرون المتوسطون والعاملون في الصفوف الأمامية هم حلقة الوصل التي تربط الخطط مع بعضها البعض وتحوّلها إلى واقعٍ عملي. لذلك، يجب أن يتمتع هؤلاء القادة بتلك المهارات. فالقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، والتقدم رغم التحديات، فضلًا عن الوعي الذاتي والوعي بالبيئة المحيطة، وتنظيم المشاعر خاصةً أثناء الأزمات، جميعها سماتٌ تنعكس إيجابيًا ليس على القادة أنفسهم أو فرقهم فقط، بل على المؤسسة ككل، وقدرتها على مواجهة التحولات الطارئة.

تشجيع الفِرق على اكتساب مهارات التكيّف والمرونة في إطار العمل الجماعي.

تُشير الدراسات إلى أن التعلم الجماعي يُسهم بشكلٍ كبير في تسريع استيعاب الأفكار الجديدة وترسيخ الدروس المستفادة، بالإضافة إلى تحفيز الأفراد على تبنّي سلوكياتٍ إيجابية جديدة.9 إن هذا النوع من التعلم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يدمج بين الإدراك والعاطفة. فالعمل ضمن فريق يسمح للأفراد ليس فقط باسترجاع المعلومات التي اكتسبوها، بل أيضًا باستحضار ما قاله الآخرون، وكيف تفاعلوا معهم، وكيف ساهمت آراؤهم في إثراء الفهم الجماعي لديهم. لذلك ينبغي على القادة تشجيع فرقهم على خلق تجارب تعليمية مشتركة وبناء لغةٍ موحدة تعكس الوعي بالتغيرات والتقلبات المُحتمل حدوثها. وبالرغم من مَيل الطبيعة البشرية في أغلب الأحيان إلى النفور من المجهول، إلا أن التكاتف والعمل بروح الفريق يُمثل قوةً دافعة تعزز من قدرة الجميع على مواجهة التحديات بثقةٍ وإيجابية.

في خطوةٍ طموحة لتنمية مرونة موظفيها وقدرتهم على التكيف، أطلقت إحدى شركات الأدوية برنامجًا تدريبيًا على عدة مراحل، شمل في مُجمله أكثر من 9,000 موظفٍ من جميع المستويات. جاءت هذه المبادرة للتأكيد على ضرورة امتلاك الموظفين للمهارات اللازمة التي تُمكنهم من مواجهة التحديات بفعالية. بدأت المرحلة الأولى باستهداف الفريق القياديّ للشركة، حيث شارك أعضاؤه في وِرش عملٍ حضوريةٍ أدارها خبراءٌ متخصصون. لم تقتصر التجربة على الجلسات المباشرة فقط، بل دعّمتها وحداتٌ تعليمية عبر الإنترنت، إلى جانب النقاشات التفاعلية والعمل الجماعي الذي عمّق فهم المشاركين للمفاهيم المطروحة. في المرحلة التالية، قام البرنامج بتزويد نحو 4,000 قائد فريق من مختلف الإدارات بأدواتٍ تعليميةٍ رقمية تتيح لهم التعلُّم الذاتي بالطريقة التي تُناسبهم، مع الحفاظ على نهج التعلم التفاعلي من خلال وحداتٍ إلكترونية تُفعّل التواصل الاجتماعي وتدعم التجربة التعليمية. أما المرحلة الأخيرة، فقد خصّصتها الشركة للموظفين الأفراد وأتاحت لهم الفرصة لانعقاد جلساتٍ تدريبية شخصية لهم مدعومةٌ بتطبيقٍ رقمي يدمج بين التعلم الذاتي والتفاعل مع الزملاء.

لقد تميّز البرنامج التدريبي بمرونته، إذ لم يتطلب من الموظفين سوى الالتزام ببضع ساعاتٍ موزّعةٍ على مدى ثلاثة أشهر، مع بعض الاجتماعات المنتظمة التي تُعقد أسبوعيًا. لقد أثمر هذا النهج عن نتائج لافتة، إذ شهد المشاركون تحسنًا كبيرًا في قدراتهم على التكيف وارتفاعًا ملحوظًا في مستوى رفاهيتهم مقارنةً بمجموعة التحكم، وهي مجموعةٌ من الأفراد يتم استخدامهم في الأبحاث والتجارب للمقارنة مع مجموعةٍ أخرى ممن يُجرى عليهم التدخلات أو التغييرات. والأهم من ذلك، هو إشادة المشاركين بدور التعلُّم الجماعي كعنصرٍ جوهري في نجاح البرنامج وتحقيق هذه النتائج الإيجابية. كما حرص القادة على توفير الوقت والمساحات الملائمة التي تتيح للأفراد والفرق استكشاف فضولهم الطبيعي، ومراقبة تصرفات الآخرين والاستفادة منها، إضافةً إلى السماح للأفراد بممارسة المفاهيم الأساسية بشكلٍ جماعي. فلم يكن البرنامج مجرد مبادرةٍ تدريبيةٍ منفصلة؛ بل تم تصميمه بعناية ليتكامل مع استراتيجية العمل العامة وأهداف الفرق المختلفة، وهو ما أظهر فعاليته وتأثيره الإيجابي ليصبح ركيزةً أساسيةً لنجاح الشركة على المستويين، الفرديّ والمؤسسيّ.


عندما ظهرت الكهرباء واستُبدلت الآلات البخارية بها في المصانع، استغرق الأمر ثلاثة عقودٍ كاملة قبل أن تظهر أثار هذه الثورة التقنية على تحسين الكفاءة والإنتاجية. في ذلك الوقت، لم تنجح العديد من الشركات في التكيف سريعًا مع هذه التحولات الجذرية، مما أدى إلى تخلُّفها عن الرّكب.

واليوم، يجد قادة الأعمال أنفسهم أمام تحدياتٍ مشابهة، غير أن هذه المرة لا يتعلق الأمر بتغييرٍ واحدٍ، بل بسلسلةٍ من الطفرات التقنية والاقتصادية والجيوسياسية والاجتماعية معًا، والتي تتطلب استجابةً سريعة ونهجًا يحتاج ما هو أكثر من الاعتماد على الهياكل المرنة. ولضمان عدم تكرار أخطاء الماضي وتجنب مصير مُلّاك المصانع القدامى، يجب على القادة أن يُدركوا أهمية المرونة والقدرة على التكيف من جانب، والعلاقة التكاملية فيما بينهما من جانبٍ آخر. ولتحقيق الاستفادة الكاملة من هذه المهارات، يتطلب الأمر بناء بيئة عملٍ تمكّن الأفراد والفرق من تطوير مهاراتهم، ودمجها بشكلٍ وثيق في الاستراتيجيات المؤسسية. ففي عصرٍ تتسارع فيه وتيرة التغيير، لا يمكن للعالم أن يتحمل انتظار ثلاثة عقودٍ أخرى لفهم كيفية التكيف مع الثورة التالية في عالم الأعمال. فالنجاح اليوم يستلزم منا استجابةً فوريةً واستشرافية حتى نستفيد من هذه التحولات بدلاً من مقاومة تأثيراتها.


نحتفل هذا العام بمرور 60 عامًا على إصدار مجلة "ماكنزي الرُبعيَّة"، وبهذه المناسبة ستقوم المجلة بإصدار 4 أعدادٍ على مدار العام، يتضمن كل واحدٍ منها عددٌ من الموضوعات الهامة المتعلقة بمستقبل الأعمال والمجتمع، إلى جانب مجموعةٍ من المواد التفاعلية، بالإضافة إلى أعدادٍ من أرشيف المجلة. ستكون هذه المقالة ضمن مقالات وموضوعات الإصدار الثاني من السلسلة، والذي سيصدر في يناير، تحت عنوان "مستقبل القيادة". يمكنكم الاطلاع على بقية إصدارات السلسة من هنا، والاشتراك في قائمة تنبيهات "مجلة ماكنزي الرُبعيَّة" ليصلكم إشعارٌ بكل جديد.

Explore a career with us