كيف يُحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في إعادة تشكيل تطوير البرمجيات

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

وخلال العامين الماضيين، ومع بروز تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، توجهت أنظار العديد من الشركات العالمية إلى دراسة سُبل تسخير إمكانات هذه التقنية لتطوير أداء المهندسين والمطورين في قطاع البرمجيات، بما يتيح لهم تنفيذ المهام بسرعةٍ وكفاءةٍ أكبر. وعلى الرغم من أهمية هذه التحسينات في الأداء وانعكاسها الإيجابي على القيمة الاقتصادية، التي تتراوح بحسب توقعات ماكنزي ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار، فإن النظرة إلى الذكاء الاصطناعي قد تطورت لدى كثير من المؤسسات، كعاملٌ مؤثرٌ في المسار الزمني لمراحل تطوير المنتجات البرمجية بالكامل، وليس مجرد أداةٍ لتحسين الإنتاجية فقط.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

لقد أصبح دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل دورة تطوير المنتجات البرمجية، منذ لحظة انطلاق الفكرة وحتى إطلاق المنتج، خياراً استراتيجياً يتيح للشركات تمكين مديري المنتجات والمهندسين وفرق العمل من التركيز على المهام ذات الأولوية مع تقليص الوقت المُهدر في تنفيذ المهام الروتينية. ولا يقتصر التحوُّل على تبسيط العمل فحسب، وإنما يسمح أيضًا باستخدام بياناتٍ أكثر دقةً وشمولية، إلى جانب جمع آراء وملاحظات العملاء بشكلٍ فوريٍ ومنهجي، مما يُسهم في تطوير برمجياتٍ تُلبّي احتياجات هؤلاء العملاء وتعزز من تجربتهم. إنّ هذا النهج الشامل لا يقتصر على تسريع عملية التطوير فحسب، بل يساعد أيضًا في رفع جودة المنتجات، وزيادة إقبال العملاء عليها، وتعزيز مستوى رضاهم، مما يُمهّد الطريق لمزيدٍ من الابتكار والإبداع (كما هو موضحٌ في الشكل 1 و2). ولعل هذا ما دفع رواد القطاع إلى تبني هذه الرؤية، ومن بينهم "إنبال شاني"، الرئيس التنفيذي للمنتجات ورئيسة قسم البحث والتطوير في شركة ""Twilio، والتي أشارت إلى التأثير العميق لهذه التقنيات، قائلةً: "أؤمن بأن التحوُّل الأهم الذي سيحدثه تطبيق هذه التقنيات يتمثل في الارتقاء بجودة المنتجات، وذلك بفضل قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل المعلومات وتجميعها بدقةٍ، وهو ما يتيح تقديم توصياتٍ أكثر فعاليةً."

لا يتحقق هذا الهدف الطموح بين ليلة وضحاها، بل هو رحلةٌ مليئةٌ بالتغيير والتكيف. فالتغيير الذي يقوده الذكاء الاصطناعي في مراحل تطوير البرمجيات هو سلسلةٌ من التحولات، لكلٍ منها تحدياته وفرصه الخاصة. ومن خلال أبحاثنا وحواراتنا مع رواد هذا المجال، نستعرض في هذه المقالة خمسة تغييراتٍ جوهرية من شأنها أن تعيد تشكيل دورة تطوير البرمجيات، إلى جانب تأثيراتها العميقة على مختلف جوانب المنظّمات المنتجة للبرمجيات، بدايةً من نموذج الأعمال، مرورًا بقدرات ومهارات فِرق العمل، وحتى الهيكل التنظيمي وحوكمة البيانات، في إطار إعادة هيكلةٍ شاملة تحمل في طياتها فُرصًا جديدة وآفاقًا غير مسبوقة.

الفوائد الخمس الرئيسية لدورة مراحل تطوير البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي

في إطار إعادة هيكلة عملية تطوير المنتجات البرمجية بشكلٍ شامل، يُنتظر أن يُحدث الذكاء الاصطناعي سلسلةً من التحولات الجوهرية التي ستُعيد رسم ملامح دورة تطوير البرمجيات بالكامل. لا تقتصر هذه التحولات على تعزيز كفاءة الأداء أو تسريع وتيرة العمل، بل ستمتد آثارها لتشمل تحسين معايير الجودة، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات، وصولًا إلى خلق بيئةٍ خصبة تُحفّز على الابتكار المتواصل، وتفتح الباب أمام مستقبل قطاع البرمجيات.

1 . الوصول إلى السوق بشكلٍ أسرع

لقد أضحى الإسراع من وتيرة تطوير البرمجيات واقعًا ملموسًا تعيشه العديد من الشركات، بفضل التطورات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع ذلك، فإن تأثيره لا يقتصر على هندسة البرمجيات فحسب، بل يمتد ليشمل دورة إدارة وتطوير المنتجات بأكملها. يكمن جوهر هذا التحوُّل في تقليص الفجوة الزمنية بين مراحل التطوير، بدايةً من وضع الاستراتيجيات والرؤى، وحتى إطلاق المنتج وتوسيع انتشاره على نطاق واسع. وبفضل قدرات الذكاء الاصطناعي على تحرير العقول الإبداعية من القيود، عبر أتمتة المهام الروتينية الرتيبة التي تستنزف الكثير من الوقت، كإدارة المشاريع، وتحليل الأسواق، واختبار الأداء، ومعالجة الملاحظات وتوثيقها، بما يسمح لمديري المنتجات، والمهندسين، والمصممين إيجاد الوقت الكافي للتركيز على المهام الأكثر أهميةً وإبداعًا، كرسم ملامح الرؤية والاستراتيجية العامّة، وتطوير الأفكار، فضلًا عن تحديد الأولويات التي تصنع الفارق.

ولا يهدف هذا التحول إلى تسريع مراحل التطوير فحسب، بل يتيح أيضًا فرصًا عديدة للابتكار. فبفضل ما يوفره الذكاء الاصطناعي من وقتٍ ومعلوماتٍ تسمح لفرق تطوير من ابتكار عدة إصداراتٍ من المنتج الواحد بسرعةٍ كبيرة، مما يساعد على تحسين توافقه مع متطلبات السوق. كما يمنح الشركات العديد من المزايا، منها إجراء الاختبارات السوقيّة بشكلٍ أسرع، والاستجابة بمرونةٍ أكبر لملاحظات المستخدمين ولتغيرات سلوكياتهم وتفضيلاتهم، مما يُثمر في النهاية عن تقديم منتجاتٍ أكثر تطورًا وجودة.

2 . وصول المنتجات إلى العملاء بقيمتها الحقيقية في أقرب وقتٍ ممكن

يكمُن جوهر نجاح أي منتجٍ في قدرته على تلبية احتياجات السوق وتحويل الأفكار الواعدة إلى قيمةٍ ملموسة. فبالرغم من امتلاك فرق التطوير رؤيةً واضحةً وأفكارًا مدروسة في البداية، إلا أن عملية الوصول إلى منتجٍ متكاملٍ وملائم لتطلعات العملاء كانت في السابق تتطلب عدة إصداراتٍ متتالية، يتم من خلالها جمع الملاحظات، وقياس ردود الفعل، ثم إجراء التعديلات اللازمة. أمّا اليوم، ومع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن رحلة تطوير المنتجات، باتت هذه الرحلة أكثر سرعةً وترابطًا وكفاءة، فهذه التقنية الحديثة قادرةٌ على توحيد مصادر البيانات المتفرقة، لتعكس آراء العملاء وأنماط استخدامهم بشكلٍ أوسع، مما يتيح سرعة تصميم المنتجات وجعلها متوافقةً من البداية مع احتياجات العملاء.

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على جمع البيانات فقط، بل يمتد إلى تحليلها بشكلٍ فوري، مع رصد التغيرات المتسارعة في توجهات العملاء وتفضيلاتهم، إلى جانب متابعة تحركات المنافسين واتجاهات السوق بشكلٍ مستمر. وبهذا النهج، يحصل فريق التطوير على صورةٍ شاملة ودقيقة، تتيح له تصميم منتجاتٍ تُلبي احتياجات العملاء من اللحظة الأولى، وتضمن توافقها مع المتطلبات المتغيرة للسوق. وفي هذا الإطار، يُمثّل مجتمع المطورين العالمي "Stack Overflow" نموذجًا يُحتذى به في توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم عملية التطوير، باعتماده على هذه التقنية في استقراء أبحاث العملاء السابقة، إلى جانب رصد أي تغيّراتٍ في تفضيلاتهم المستقبلية. وهو ما أشاد به "براشانث تشاندراسيكار"، الرئيس التنفيذي للشركة قائلًا: "نحن على أعتاب مرحلةٍ جديدة، أصبح فيها الذكاء والمعرفة بمثابة خدمةٍ متكاملةٍ تُشكّل ملامح المستقبل عبر مجموعاتٍ من المبدعين الذين يضيفون محتوى جديد وهادف، يستند إلى بياناتٍ دقيقةٍ وموثوقة. ومن هذا المنطلق، فإننا نحرص على تطوير منتجاتنا بشكلٍ مستمر، لنواكب تطلعات عملائنا، مستفيدين في ذلك من شركائنا في مجال الذكاء الاصطناعي وما يوفرونه لنا من قاعدة بياناتٍ دقيقةٍ وموثوقة، وأدواتٍ متطورة تُحدث طفرةً في إنتاجية ملايين المطورين حول العالم."

3 . ظهور المزيد من الأفكار الجيدة وتحولها إلى منتجاتٍ فعلية

تُعد مرحلة اكتشاف الفرص الجديدة في الأسواق، واختبار مدى قابلية الأفكار للتطبيق وجاذبيتها للعملاء، من أهم الركائز الأساسية لعملية تطوير البرمجيات. غير أن تنفيذ هذه المراحل بشكلٍ منفصل، وبالطرق التقليدية، كان يستنزف الكثير من الوقت والجهد، إلى جانب التكاليف المرتفعة والمخاطر الكبيرة التي كانت تُهدد نجاحها. ففي السابق، كانت الشركات تبدأ أولًا بوضع دراساتٍ مطوّلة وخططٍ دقيقة قبل الانتقال إلى التنفيذ وبناء النماذج الأولية، وذلك لأن تصميم أي نموذجٍ أولي كان يُعد مهمةً معقدةً ومكلفةً على مختلف المستويات. أمّا اليوم، فقد أحدث الذكاء الاصطناعي ثورةً حقيقيةً في هذا المجال، بعدما أصبح من الممكن إعداد النماذج الأولية بوتيرةٍ أسرع، مع القدرة الفائقة على تنفيذ اختباراتٍ تلقائية، مثل اختبارات A/B، والتي تُتيح للشركات تقييم الأفكار المختلفة وقياس مدى نجاحها في وقتٍ قياسي. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع عملية تطوير الأفكار فحسب، بل يسمح باتخاذ قراراتٍ مدروسة قائمة على تحليل البيانات الدقيقة، بعيدًا عن الاجتهادات الفردية والتوقعات الشخصية.

ومع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تصميم النماذج الأولية واختبار الأفكار الجديدة، أصبحت فرق تطوير المنتجات قادرةً على تنفيذ عددٍ أكبر من التجارب، بما يعزز من فرص اكتشاف أفكارٍ مبتكرة تستحق الاستثمار والمتابعة. كما يسهم هذا النهج الذكي في ترشيد الإنفاق، ويساعد في الحد من تأثير العوامل الشخصية والانحيازات الفردية في عملية تقييم الأفكار واختيار الأفضل من بينها. ففي الماضي، كانت تضطّر الفرق إلى ترتيب الأفكار بشكلٍ يدويٍ وبطرقٍ تقليدية قبل إخضاعها للاختبار، وهو ما جعل عملية الاختيار تتأثر أحيانًا بآراء بعض أصحاب النفوذ داخل الشركة، سواءً كانوا من ذوي الأصوات الأعلى أو أصحاب المناصب القيادية، في ظاهرةٍ تُعرف بتحيّز "HiPPO". واليوم، وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع القضاء على هذا التحيز بشكلٍ كامل، إلا أنه يعزز من موضوعية القرار، من خلال الاعتماد على قراءة وتحليل البيانات بأسلوبٍ علمي، بدلًا من ترك المجال للآراء الشخصية والانطباعات الفردية.

وفي هذا الإطار، تؤكد إنبال شاني، من شركة "Twilio"، قائلةً: "إن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرةً كبيرةً على تعزيز حيادية القرارات الاستراتيجية، كما أن امتلاك قاعدةٍ أوسع من البيانات، إلى جانب تحليلها بشكلٍ شامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يُغيّر أسلوب اتخاذ القرارات على مستوى القياديات العُليا، ويعيد ترتيب الأولويات بناءً على معطياتٍ دقيقةٍ وموضوعية". وتشير "شاني" إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بدوره في تحليل البيانات فقط، بل يمتد تأثيره ليصبح طرفًا محايدًا في النقاشات الاستراتيجية، فضلًا عن مساهمته في مراقبة مؤشرات الأداء بشكلٍ مستمر، وتقييم مدى التقدم المُحرَز، لضمان تنفيذ القرارات بكفاءةٍ عالية. وبهذا النهج المتكامل، يُسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع دورة تطوير المنتجات بشكلٍ لافت، مع ضمان توجيه الموارد نحو الأفكار الواعدة، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى خفض التكاليف وتقليص احتمالات الفشل.

فيما يُعد فريق تطوير المنتجات في شركة "Reddit" نموذجًا يُجسد هذا التحول؛ إذ نجح مهندسو الشركة في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم عملية تحديد معالم المنتجات الجديدة، وتصميم نماذجها الأولية بسرعةٍ قياسية. ويُعلق بالي بهات، كبير مسؤولي المنتجات في "Reddit"، على ذلك قائلًا: "لقد أصبحت مراحل تحديد الأفكار، وتصميم النماذج الأولية، واختبارها، تتم بصورةٍ متزامنةٍ وبوتيرةٍ أسرع من أي وقتٍ مضى". وأضاف: "اليوم، أصبح بإمكان فرق العمل لدينا طرح فكرةٍ جديدةٍ في يومٍ واحد، وإنجاز نموذجها الأولي في اليوم التالي."

4 . الفكرة التي طال انتظارها أصبحت حقيقة: مدراء المنتجات يرتقون بدورهم وأصبحوا قادة يشبهون الرؤساء التنفيذيين

لم يعد مدير المنتج اليوم مجرد حلقةٍ وصل بين الأقسام المختلفة أو منسقًا للمهام، بل أصبح أشبه برئيسٍ تنفيذيٍ مُصغّر، يحمل على عاتقه مسؤولية قيادة دورة مراحل تطوير المنتج من الفكرة الأولى وحتى الوصول إلى العملاء. ففي الماضي، كانت رحلة تطوير البرمجيات مليئةً بالتعقيدات، تتنقل بين العديد من الفرق المتخصصة، حتى ينتهي العمل ويتم إطلاق المنتج. أمّا اليوم، أصبح بإمكان مدير المنتج الإشراف على كافة مراحل رحلة المنتج، بدايةً من استكشاف الأفكار الجديدة، وتصميم النماذج الأولية، مرورًا بإعداد العروض التسويقية وصفحات التعريف بالمنتج، وحتى تنفيذ نماذج التقنية الأولية، دون الحاجة إلى تدخلٍ مكثف من فرق التسويق أو التصميم أو الهندسة. إنّ هذا التطور يمنح مديرو المنتجات فرصةً للتركيز على المهام الاستراتيجية، مثل التخطيط بعيد المدى، والحل الإبداعي للمشكلات، والتواصل المباشر مع العملاء الرئيسيين وأصحاب المصلحة، فضلًا عن دراسة الاستخدامات المختلفة للمنتج.

وفي ظل هذا التوسُّع في القدرات، سيتحوّل مدير المنتج إلى قائدٍ شامل، يدمج بين إدارة المنتج وتصميمه وتسويقه، بالإضافة إلى تطوير مهاراته الشخصية على امتداد هذه الرحلة. فكما يجمع الذكاء الاصطناعي ملاحظات العملاء، أصبح بإمكانه جمع ملاحظات الاجتماعات وتسجيلات المكالمات، ثم تحليلها لتقديم ملاحظاتٍ بنّاءة تُعزز التعلُّم المستمر وتدعم التطوير الذاتي.

ومع تسارع وتيرة التطور الذي يشهده القطاع التكنولوجي، لم تَعُد أدوار فرق تطوير المنتجات مُجزّأةً كما كانت في السابق، بل تحولت إلى أدوار أكثر تكاملًا وتداخلًا، ليُصبح مدير المنتج اليوم مسؤولًا عن مهامٍ تتجاوز دوره التقليدي، وتشمل جوانب التسويق، وملكية المنتج، وحتى تصميم تجربة المستخدم. يُعيد هذا التحوّل رسم خارطة فرق المنتجات بالكامل، عبر تشكيل فريقٍ موحّدٍ يقوم بكافة المسؤوليات، معتمدًا على أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُبسّط الإجراءات، وتُحلل البيانات، وتُقدّم الرؤى الدقيقة في الزمن الفعلي، مما يُعزز من سرعة وكفاءة اتخاذ القرار. وفي هذا الإطار، يؤكد "فارون بارمار"، المدير العام لشركة "Adobe" والرئيس التنفيذي للمنتجات والرئيس التنفيذي السابق للعمليات بشركة Miro""، قائلًا: "إنّ هذا التكامل المتزايد سيمهّد الطريق لاندماجٍ حقيقي بين دورَي مدير المنتج ومدير تسويق المنتج، تحت مظلة فريقٍ واحد، يحمل رؤيةً موحدة وهدفًا مشتركًا". ويُضيف بارمار قائلًا: "مع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام التسويقية، مثل صياغة الرسائل الترويجية وتحليل اتجاهات السوق، ستُصبح أولوية هذا الفريق الجديد هي تحديد الموقع التنافسي للمنتج، ورسم استراتيجية نجاحه، بما يضمن أن يعمل الجميع بتناغمٍ وتكاملٍ".

5 . دمج عناصر الجودة والامتثال وإدارة المخاطر وإمكانية الوصول ضمن المراحل الأولى لعملية البناء والبرمجة

لقد أصبح من الضروري مع هذه التحولات، أن تتبنى المؤسسات نهجًا استباقيًا في التعامل مع اختبارات إدارة المخاطر والامتثال وسهولة الاستخدام، وذلك عبر دمجها في المراحل الأولى من دورة تطوير المنتجات البرمجية، بدلًا من تأجيلها إلى المراحل النهائية التي تصبح فيها المعالجة أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة. ويُعرف هذا التوجه في الأوساط التقنية بمصطلح "التحوُّل إلى اليسار"، والذي يعني إدخال معايير الجودة والامتثال كجزءٍ أصيل من عملية اتخاذ القرار منذ اللحظة الأولى لتوليد الفكرة وحتى إطلاق المنتج. وهو ما يستوجب من فرق المنتجات إجراء تقييماتٍ دورية للتأكد من تطبيق معايير البرمجة ومتطلبات الامتثال والجودة بشكلٍ تلقائيٍ ومستمر خلال كافة مراحل التطوير.

وهنا يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا كبيرًا في دفع الشركات إلى تبني هذا النهج من التحوُّل المبكر، بالإضافة إلى توفير الأدوات التي تمكّنهم من تطبيقه عمليًا. تتمثل هذه الأدوات في مجموعةٍ واسعةٍ من الحلول الذكية، التي تشمل الامتثال التلقائي للكود، وإجراء فحوصات إمكانية الوصول، والكشف عن التهديدات ومنعها، بالإضافة إلى فحص الثغرات الأمنية أثناء قيام المطورين بكتابة الكود. فعلى سبيل المثال، أعلنت منصة "GitHub" مؤخرًا عن ميزةٍ تسمح للمؤسسات بوضع سياساتٍ أمنية وامتثالية عبر كافة مستودعات الأكواد لديها، وهو ما يسمح بتوافق الأكواد التي يكتبها المطورون تلقائيًا وقت كتابتها. وبخلاف ذلك، يعمل "GitHub Copilot" على تسريع مراجعة الأكواد بمعدلٍ يصل إلى سبعة أضعاف، كما يساعد في اكتشاف وإصلاح الثغرات والمشكلات المتعلقة بأسلوب البرمجة في اللحظة ذاتها.

وها هو "بهات" من شركةReddit" "، يؤكد على أهمية ذلك التحوُّل قائلًا: "يمكننا تحقيق أعلى قيمةٍ من أعمالنا فقط إذا نجحنا في إزالة العوائق التي تُبطّئ من سير العمل، وإذا ضمنّا توافق منتجاتنا مع المعايير المطلوبة منذ اللحظة الأولى". ويضيف: "نقوم بالفعل بتطبيق هذا النهج فيما يتعلّق بإمكانية الوصول، فنحن نحرص على دمج كافة معاييره في المراحل المبكرة من دورة تطوير المنتج بدلاً من إضافتها لاحقًا". وبفضل التحليل المستمر لنتائج الاختبارات، تستطيع الفرق التقنية اكتشاف الأنماط المتكررة والتنبؤ بالمشكلات المحتملة قبل وقوعها، مما يساعد على تحسين جودة المنتجات بشكلٍ مستمر. فهذه الاختبارات المبكرة تؤدي في نهاية المطاف إلى تقديم منتجاتٍ ذات جودةٍ عالية مع تقليل معدلات الفشل.

وماذا يعني ذلك بالنسبة للمؤسسات؟

لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تسريع العمليات أو تحسين جودة الأكواد، بل أصبح محركًا رئيسيًا لإعادة تشكيل فرق تطوير المنتجات وطريقة عملها اليومية. إنّ هذا التحوُّل العميق الذي بدأنا نرى ملامحه الأولى، يفتح الباب أمام مرحلةٍ جديدة مليئةٍ بالفرص، ولكنه في الوقت نفسه يطرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل هذه الفِرق، وأدوار أفرادها، والمهارات التي سيحتاجون إليها. وبينما تحاول المؤسسات مواكبة هذا التغير السريع، يواجه القادة تحديًا أكبر في فهم الصورة الكاملة لهذا التحول الجديد، وما يحمله من فرصٍ وتحدياتٍ في السنوات القادمة.

نموذج العمل

مع تطور قدرة الذكاء الاصطناعي على الربط بين مصادر البيانات المختلفة، أصبح بإمكان شركات البرمجيات اليوم أن تثبت لعملائها القيمة الحقيقية لمنتجاتها خلال المراحل المبكرة من الاستخدام، وذلك مقارنةً بما كان عليه الحال في الماضي. مما أدّى إلى مطالبة العملاء بنموذج تسعيرٍ جديد، يسمح لهم بالدفع بناءً على النتائج التي يحصلون عليها، بدلًا من التسعير التقليدي القائم على الدفع مقابل عدد مرات الاستخدام أو عبر نظام الاشتراك الثابت. في السّابق، لم يكن تطبيق هذا النموذج أمرًا يسيرًا، إذ كانت مراحل رحلة تطوير البرمجيات تعتمد على أسلوبٍ تقليديٍ معقد، يقوم على توزيع المسؤوليات بين فرقٍ متعددة، ويعمل على بياناتٍ مجزأةٍ وغير مترابطة، الأمر الذي جعل من الصعب على الشركات قياس القيمة الحقيقية التي يحصل عليها العميل بشكلٍ دقيق. إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير مع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فقد أسهم في توحيد البيانات، وتوفير رؤيةٍ شاملةٍ تُغطي جميع مراحل التطوير والاستخدام. كما أدّى إلى توسيع دور مدير المنتج، ليصبح قادرًا على ربط أسعار المنتجات مباشرةً بالقيمة الفعلية التي يحصل عليها العميل. وقد بدأت بعض الشركات الرائدة بالفعل في تطبيق هذا النهج، بتجربة نموذج التسعير القائم على النتائج في بعض منتجاتها، مثل برمجيات التسويق، التي تساعد الشركات على الوصول إلى عملائها المستهدفين بشكلٍ أفضل. وبرغم حداثة التجربة، إلا أنها مرشحةٌ بقوة للانتشار، خاصةً مع تزايد إصرار العملاء على تقديم الشركات التزامًا واضحًا بتحقيق نتائج حقيقية وملموسة من خلال منتجاتها.

الأدوات والمنصات

لكي تتمكّن المؤسسات من دمج الذكاء الاصطناعي في دورة تطوير البرمجيات، سيتحتم عليها الاستثمار في أدواته الجديدة التي تتجاوز أدوات كتابة الأكواد، كمنصات البيانات الشّاملة، والأدوات المتخصصة في تطوير المنتجات عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبالتزامن مع استثمار المؤسسات في تلك الأدوات، عليها تجنُّب الاعتماد على عددٍ كبيرٍ من الأدوات المنفصلة ذات المهام المحدودة، فهي تجعل العملية معقدةً وغير فعالة. وبدلًا من ذلك، يُفضّل العمل على بناء حلولٍ متكاملة تربط كل الأدوات معًا في منظومةٍ واحدة تُغطي جميع مراحل عمل المطورين. وفي هذا السياق، يشير "بهات" من شركة "Reddit" إلى ذلك، قائلًا: "إن الانتشار الواسع للحلول المنفصلة يؤدي إلى إهدار جهود المطورين وإرباكهم. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى عدم قدرة فِرق الهندسة للتعامل مع عددٍ كبيرٍ من الأدوات في الوقت ذاته. لذلك، سيصبح التكامل بين الأدوات أمرًا أساسيًا، كما سنشهد توجهًا نحو توحيد سلسلة الأدوات في المستقبل."

ولعل تجميع أدوات التطوير المختلفة في منصةٍ واحدة ما هو إلا خطوةٌ أولى. فقد بدأ الخبراء يتطلعون إلى عصرٍ جديد، تجتمع فيه أدوات إدارة المنتج والتصميم والتطوير معًا في حلٍّ واحدٍ متكامل، بدلاً من أن تعمل كل منها بشكلٍ منفصل. هذا النهج المتكامل سيساعد على تسهيل التنقُّل بين الفرق المختلفة، وتقليل الأخطاء التي قد تحدث عند تسليم المهام من فريقٍ لآخر، إلى جانب تعزيز فرص التعاون المباشر بين جميع الأطراف، بما يتيح اتخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر دقةً. وفي هذا الإطار، تؤكد "شاني" من شركة "Twilio" على ضرورة أن تستثمر المؤسسات في حلولٍ متطورة تُعزز إنتاجية الفرق، وتربط بين جميع مراحل العمل، بدءًا من توليد الفكرة وحتى إطلاق المنتج في الأسواق.

كما تُلفت "شاني" النّظر إلى واحدةٍ من أبرز التحديات التي تواجه نماذج تطوير البرمجيات التقليدية، وهي تشتّت البيانات وعزلها بين المراحل المختلفة. ولهذا، تحتاج المؤسسات إلى منصة بياناتٍ موحدة، مدعومةٍ بتقنيات الذكاء الاصطناعي، لتعمل على تجميع كافة المعلومات المتعلقة بالمنتج في مكانٍ واحد، سواء كانت واردةً من فرق التطوير، أو مستخلصةً من آراء المستخدمين، أو عبر تحليلات السوق. تسمح هذه المنصة لأي مساعدٍ ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي أن يقوم بتحليل البيانات وربطها ببعضها البعض، ليتمكن من تتبع رحلة أي ميزةٍ منذ اقتراحها وحتى تنفيذها. كما يستطيع كشف الروابط بين الأحداث المختلفة، والتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها استناداً إلى الخبرات السابقة. وبهذه الطريقة، يصبح لدى الشركات رؤيةً شاملة لدورة تطوير المنتج، مما يُمكّنها من اتخاذ قراراتٍ مدروسة، ترتكز بشكلٍ أكبر على تلبية احتياجات المستخدمين.

المواهب والهيكل التنظيمي

إلى جانب ضرورة الاستثمار في الأدوات التقنية الحديثة، يتعين على الشركات إعادة تقييم المهارات المطلوبة داخل فِرق العمل، مع تبنّي أساليب مبتكرة في تطوير وتدريب المواهب. فمع تسارع وتيرة التطور التقني واعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاقٍ واسع في تنفيذ المهام الروتينية والمتوسطة، أصبح الطلب متزايدًا على مهندسين يمتلكون خبراتٍ متقدمة، تُمكّنهم من فهم البنية التقنية المعقدة، ومراجعة الأكواد التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي لضمان جودتها ودقّتها. وهو تحديدًا ما أكّده "توماس دوهامك"، الرئيس التنفيذي لمنصة "GitHub"، قائلًا: "في المستقبل، لن تكون المهارة الأهم هي كتابة الأكواد، بل القدرة على تقييم الحلول التي يقترحها الذكاء الاصطناعي، والتأكُّد من صحتها وقابليتها للتطبيق".

ومع ازدياد الحاجة إلى مهاراتٍ تقنيةٍ أكثر تقدّمًا، ستتجه الشركات بشكلٍ أكبر للاعتماد على المهندسين ذوي الخبرات الواسعة. ولكن من المؤكد أن هذا التغيير سيؤثر على عملية تدريب ودعم الأجيال الجديدة من المهندسين، فبناء فريقٍ قويٍ من كبار المهندسين لا يمكن أن يتحقق دون برامج تدريبية واضحة تُعنى بتأهيل المواهب الصاعدة، عبر إسناد مسؤولياتٍ حقيقية لهم منذ وقتٍ مبكر، وتقديم الملاحظات البنّاءة بشكلٍ مستمر، بما يعزز من تطورهم المهني. كما يمكن أن يلجأ بعض المهندسين الجُدد لتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية تطوير أنفسهم، مستفيدين من المنصات التعليمية والمجتمعات التقنية المفتوحة. وتبرز هنا أهمية منصاتٍ مثل"GitHub"، التي وفرت بيئةً تعليمية تطبيقية تتيح للجميع فرصة تعلم بناء البرمجيات عبر الممارسة الفعلية والمشاركة المجتمعية. وبهذا، أصبح بمقدور أي مهندسٍ طموح أن يبدأ رحلةً من التدريب الذاتي.

وبالإضافة إلى ما سبق من التحولات، هناك العديد من المهارات التقنية الضرورية لتطوير المنتجات بشكلٍ عام، والتي يقودها الذكاء الاصطناعي، ومن أبرزها:

  • تراجع الطلب على المهارات المرتبطة بتصميم واجهات المستخدم، في مقابل تزايد الحاجة إلى خبراء في تجربة المستخدم، ممن يمتلكون القدرة على تصميم أنظمةٍ تضع الإنسان في قلب العملية، ليعتمد التصميم بشكلٍ أساسي على مشاركة العنصر البشري في مراحل تطوير المنتج، بدلًا من الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة. وتوضح "ريتشا رانجان"، نائبة رئيس قسم Office AI" " في مايكروسوفت، قائلةً: "تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم لفِرق التصميم إعداد النماذج الأولية بسرعةٍ غير مسبوقة، لكن وبالرغم من هذا التطور، تظل الحاجة ملحةً إلى العديد من المهارات البشرية، مثل القدرة على فهم الأبعاد المكانية للمنتج، وهي المهارة التي تُمكّن المصمم من تخيّل التجربة الكاملة للمنتج بكل تفاصيلها، إلى جانب مهارة التفكير المنهجي الذي يساعد المصمم على رؤية المنتج كنظامٍ متكامل، مع ربط جميع التفاصيل والعناصر ببعضها البعض." كما ترى "رانجان" أن هذه الخبرات البشرية ستكون ضروريةً أيضًا لمواجهة التحديات المصاحبة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل التحيُّز في النماذج والبيانات، أو شعور المستخدمين بفقدان اللمسة الإنسانية عند التفاعل مع المنتجات الرقمية.

    وفي ظل التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي على الأدوار التقنية، بدأت بالفعل أتمتة العديد من المهام التي كان يؤديها في السابق مهندسو الموثوقية، وهم مجموعةٌ من المتخصصين المسؤولين عن ضمان استقرار الأنظمة التقنية، والتأكد من أنها تعمل بشكلٍ مستقرٍ وفعّال على مدار الساعة. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يؤدي أدوارًا متعددة، تشمل مراقبة الأنظمة، وتحليل السجلات، والتعامل الأولي مع الأعطال. ومن المتوقع أن يستمر هذا التحول مع تعمّق استخدام الذكاء الاصطناعي في دورة تطوير البرمجيات، مما يمنح مهندسي الموثوقية مساحةً أكبر للتركيز على مهامٍ أكثر استراتيجيةً، مثل تطوير أدواتٍ للصيانة الاستباقية، وتصميم أنظمةٍ ذكية قادرة على التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وإصلاح نفسها تلقائيًا إذا لزم الأمر، مما يعزز من كفاءة الأنظمة واستقرارها، ويرفع مستوى أدائها بشكلٍ عام.

  • مع التطور التكنولوجي السريع، لم يعد إتقان المطور لجانبٍ واحدٍ من عملية البرمجة كافيًا، سواء كان ذلك في تطوير الواجهة الأمامية أو الخلفية. بل أصبح من الضروري أن يمتلك المُطوِّر مهاراتٍ شاملة تُمكّنه من إدارة المشروع كاملًا، من الفكرة وحتى الإطلاق والتشغيل، وهو ما يُعرف بدور "المُطوِّر الشامل". ولا يقتصر هذا التحوُّل على تطور المهارات التقليدية فحسب، بل يمتد ليشمل إتقان أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية التطوير. فبفضل الأدوات الذكية القادرة على كتابة أكواد واجهات المستخدم بشكلٍ تلقائي وأتمتة الكثير من المهام الروتينية، لم يعد دور مُطوّر الواجهة الأمامية كما كان في السابق، بل تطور تدريجيًا ليصبح مطورًا شاملًا مسؤولًا عن بناء الحلول التقنية المتكاملة. إلى جانب ذلك، سيحتاج المطورون أيضًا إلى فهمٍ أعمق لتأثير الذكاء الاصطناعي على المنتج نفسه وعلى تكاليف تطويره وتشغيله، ليتمكنوا من تقديم حلولٍ شاملة تجمع بين الإبداع التقني والكفاءة الاقتصادية. وكما تقول "رانجان" من مايكروسوفت: "إن الذكاء الاصطناعي يُغيّر من طريقة تطوير المنتجات بالكامل، فهو يحرر الإنسان من المهام الروتينية، ويدفعه للتركيز على الجوانب التي تحتاج إلى تفكيرٍ أعمق لحل المشكلات المعقدة." كما أضافت رانجان قائلةً: "في السابق، كان المطورون يتّبعون خطواتٍ تقليدية تبدأ بتحديد المتطلبات، ثم تصميم النظام، وكتابة الأكواد، واختبارها ومراجعتها. أمّا اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يتولى جزءًا كبيرًا من مهام كتابة الأكواد واختبارها، ومع مرور الوقت، سيزداد الاعتماد عليه في تنفيذ العمليات الأكثر تعقيدًا. ومع ذلك، سيظل الذكاء الاصطناعي مجرد أداةٍ تفتقر إلى القدرة على التفكير العميق والإبداع البشري. لهذا، سيتحوّل دور المهندس تدريجيًا إلى التركيز على التخطيط الاستراتيجي وابتكار الحلول الذكية، بدلًا من الانشغال بالمهام الروتينية."
  • مع ظهور نموذجٌ جديد لدورة تطوير البرمجيات، قد يتغير دور مهندسي اختبار البرمجيات بشكلٍ جذري، وربما تختفي الحاجة إليهم تمامًا. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تنفيذ اختبارات الوحدات واختبارات التكامل، بل وحتى اكتشاف الأعطال بشكلٍ استباقي. وفي ظل هذا التطور، قد تتجه الشركات إلى إعادة تشكيل مسؤوليات الفرق التقنية، لتصبح مهام ضمان الجودة والاختبار ضمن مسؤوليات المطورين أنفسهم، بدءًا من مراجعة الأكواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، ووضع استراتيجيات الاختبار، وصولًا إلى التأكد من جودة المنتج النهائي.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل دورة تطوير المنتجات

إن التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا، تفرض على الشركات اليوم، إعادة النظر في منهجية تطوير البرمجيات، لضمان الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي. ويتطلب هذا التحول العمل على عدة مستوياتٍ أساسية، تبدأ من المستوى التنظيمي، حيث أصبح الاستثمار في جذب المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ضرورةً أساسية، إلى جانب تطوير مهارات الكوادر الحالية، لا سيّما في فرق البحث والتطوير، لتتمكن من مواكبة طبيعة الأدوار الجديدة في بيئة العمل. بينما على المستوى الاستراتيجي، تبرز أهمية تنويع مصادر البيانات التي تستند إليها الشركات في اتخاذ قراراتها، بما يمنحها رؤيةً أوضح لاحتياجات السوق واتجاهات المستخدمين، مع إعادة مواءمة الخطط التشغيلية لتصبح قائمةً على مؤشرات أداء تستند إلى البيانات والنتائج الفعلية، وهو ما يعزز التركيز على رفع معدلات تبني المنتجات، ودعم عمليات التطوير المستمر لها. أمّا على الصعيد التشغيلي، فإن الاستثمار في الأدوات الذكية والمنصات المتكاملة التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُمثّل عاملًا رئيسيًا في تعزيز كفاءة العمليات الداخلية، ودعم التعاون بين الفرق المختلفة، وتسريع وتيرة طرح المنتجات في الأسواق.

ولكن لتحقيق الفائدة الحقيقية من هذا النموذج، لا يكفي أن تعتمد المؤسسات على أدوات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل يتطلب الأمر تغييرًا جذريًا في ثقافة العمل وأدوار الفِرق. فكما لم تتمكن أدوات منهجية "agile"، التي تهدف إلى تعزيز المرونة وسرعة الاستجابة عبر تقسيم العمل إلى دوراتٍ قصيرةٍ وتعاونية، أو ممارسات "DevOps"، التي تركز على التكامل المستمر بين فرق التطوير والتشغيل لضمان التسليم السريع والجودة العالية، من تحقيق نتائجها المأمولة إلا عندما تبنت المؤسسات نماذج تشغيلٍ متكاملة تدعم تلك الأدوات، فإن نجاح دورة التطوير المدعومة بالذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرة الشركات على إعادة هيكلة فِرقها، وتطوير مهاراتها، ومواءمة أسلوب عملها بالكامل مع الإمكانات الجديدة التي توفرها هذه التقنيات.

وفي النهاية، فإن هذا التحول الشامل ليس مجرد تطويرٍ تقني، بل هو خطوةٌ نحو صناعة برمجياتٍ أكثر ذكاءً وتلبيةً لاحتياجات المستخدمين. فمن خلال دفع عجلة تطوير المنتجات، ورفع جودتها، ووضع تجربة العملاء في صميم كل مرحلةٍ منها، ستتمكن الشركات من تقديم قيمةٍ حقيقية، ليس للمستخدمين فقط، بل لها أيضًا، حتى تصبح الشركات والمؤسسات أكثر جاهزيةً ومرونةً في عصر الذكاء الاصطناعي.

Explore a career with us