تشهد العودة إلى العمل من المكاتب المكاتب تزايدًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، ما يثير تساؤلات مهمة حول كيفية إدارتها لتحقيق أفضل النتائج. وفي هذا السياق، يوضح خبير المواهب والشريك لدى ماكنزي، "برايان هانكوك"، قائلًا: "إن المكان الذي يتواجد فيه الموظفون ليس هو الأهم، بل الأهم هو كيفية الاستفادة من وجودهم لتحقيق أقصى إنتاجية." وفي هذه الحلقة من بودكاست "ماكنزي توكس تالنت"، يناقش "برايان هانكوك" مع "بروك ويدل"، أحد كبار الشركاء في ماكنزي، إلى جانب "لوسيا راهيلي"، المديرة العالمية للتحرير، نتائج أبحاث جديدة من المتوقع نشرها قريبًا. تكشف هذه الأبحاث عن الفرص الكبيرة والتحديات المحتملة التي تصاحب العودة إلى العمل من المكتب. ويتناول الحوار كيف يمكن للقادة تحويل العودة إلى المكتب إلى مرحلة مثمرة من خلال تعزيز الإنتاجية، وبناء ثقافة تعاون فعّالة، ودفع عجلة الابتكار داخل المؤسسات. فالأمر لا يتوقف عند إحضار الموظفين إلى المكتب، بل يتعلق بكيفية خلق بيئة عمل تحفّز الإبداع وتدعم النجاح الجماعي.
العودة إلى المكتب: أين نحن اليوم وإلى أين نتجه؟
لوسيا راهيلي: موضوعنا اليوم يتناول أحد أبرز العناوين الساخنة في عام 2025 وهي العودة إلى المكتب. فما الذي تكشفه الأبحاث عن الواقع الفعلي؟ وهل عاد الموظفون بالفعل إلى مكاتبهم أم أن الصورة أكثر تعقيدًا مما نتوقع؟
برايان هانكوك: من الواضح أن الموظفين بدأوا يعودون إلى المكتب بوتيرة متزايدة، وهو ما تؤكده الأرقام بشكل واضح. فقد أجرينا استطلاعًا عن المواهب في عام 2023، وأعدنا إجراءه في عام 2024 لمتابعة التغييرات. وأظهرت النتائج أن 35% من المشاركين في استطلاع 2023 كانوا يعملون في الغالب من المكتب. لكن اللافت للنظر أنه في عام 2024 ارتفعت هذه النسبة بشكل كبير لتصل إلى 68%، حيث أصبح معظم الموظفين يعملون من المكتب لأكثر من أربعة أيام في الأسبوع. أما بقية الموظفين، فيواصلون العمل بنظام مرن يجمع بين الحضور والعمل عن بُعد، أو يعملون عن بُعد بشكل شبه كامل. تعكس هذه الأرقام تغيرًا ملحوظًا في أنماط العمل، وتفتح الباب لمناقشة أسباب هذا التحول وتأثيره على بيئة العمل الحديثة.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
بروك ويدل: لا يقتصر هذا الاتجاه على قطاع واحد فقط، بل يمتد ليشمل جميع القطاعات تقريبًا. فعلى سبيل المثال، شهد قطاع السلع الاستهلاكية وتجارة التجزئة قفزة ملحوظة في معدلات الحضور إلى المكتب. ففي عام 2023، أفاد 33% من الموظفين بأنهم يعملون من المكتب. ولكن، ومع دخول عام 2024، تضاعفت هذه النسبة بشكل كبير لتصل إلى 87%، وهو ما يعكس تحولًا جذريًا في طبيعة العمل بهذا القطاع. وعلى الجانب الآخر، لم تكن أنظمة وخدمات الرعاية الصحية استثناءً من هذا الاتجاه، حيث ارتفعت نسبة الموظفين الذين يعملون من المكتب إلى 73%. وهو ما حدث أيضًا في الصناعات المتقدمة، مثل التصنيع، وصناعات الفضاء والدفاع، وصناعة السيارات، حيث ارتفعت نسبة الحضور إلى المكتب من 42% في عام 2023 إلى 73% في عام 2024.
لوسيا راهيلي: وهل كان هذا التحول نتيجة لقرارات إلزامية من قبل الشركات؟ أو بعبارة أخرى، هل طُلب من الموظفين العودة إلى المكتب كجزء من سياسات محددة؟
برايان هانكوك: بناءً على خبرتنا والبيانات التي توصلت إليها الأبحاث، يبدو أن السبب الرئيسي وراء عودة معظم الموظفين إلى المكتب هو أن الشركات تطلب منهم ذلك. هذا الطلب قد يكون رسميًا من خلال سياسات محددة وواضحة، أو غير رسمي من خلال تفضيلات المديرين أو ثقافة العمل داخل المؤسسة. وبغض النظر عن الطريقة، من الواضح أن هناك توجهًا متزايدًا نحو الحضور المتكرر إلى المكتب، وهو ما يعكس أهمية التفاعل المباشر والتعاون اليومي في بيئة العمل.
ما الذي يبحث عنه الموظفون في بيئة العمل اليوم؟
لوسيا راهيلي: ما الذي تشير إليه الأبحاث فيما يتعلق بآراء الموظفين تجاه أنماط العمل المختلفة؟ هل يشعر الموظفون الذين يعملون من المكتب بمزيد من الإرهاق والضغط؟ أم أنهم أكثر رضا وسعادة بفضل فرص التفاعل المباشر مع زملائهم، مقارنةً بمن يعملون عن بُعد؟
برايان هانكوك: ما تظهره النتائج هو أن الموظفين، في المجمل، راضون عن عملهم، سواء كانوا يعملون من المكتب، عن بُعد، أو بنظام العمل المرن المختلط.
ومن أكثر النتائج اللافتة في الاستطلاع كانت الإجابات المتعلقة برغبة الموظفين في تغيير نمط عملهم. فقد طرحنا عليهم سؤالًا مباشرًا: "إذا كنت تعمل في المكتب بشكل أساسي، هل تفضل التحول إلى نظام العمل المرن المختلط؟ وإن كنت تعمل عن بُعد، هل تود العودة إلى المكتب؟"، فأظهرت النتائج أن 17% من الموظفين الذين يعملون في المكتب في الغالب يرغبون في تجربة العمل المرن المختلط، وكذلك 17% من العاملين عن بُعد يودون الانتقال إلى العمل من المكتب. ومع ذلك، لم تُظهر البيانات وجود رغبة كبيرة أو اتجاه قوي لدى معظم الموظفين لتغيير نمط عملهم الحالي، مما يشير إلى رضا الأغلبية عن الوضع القائم.
بروك ويدل: هناك انقسام واضح في وجهات النظر حول أنماط العمل. فبعض النقاشات تصوّر العمل من المكتب على أنه الخيار الأفضل، بينما يُنظر إلى العمل عن بُعد بشكل سلبي. لكن الملفت في النتائج هو أن الموظفين الذين يعملون من المكتب أظهروا أقل مستوى من الرغبة في ترك وظائفهم. وهذا يعني أنه لا يوجد ارتباط بين العمل من المكتب وزيادة احتمالية الاستقالة مقارنةً بمن يعملون عن بُعد أو بنظام عمل مختلط.
برايان هانكوك: يُعد غياب مرونة العمل أحد أهم الأسباب التي تدفع الموظفين الذين يعملون في المكتب معظم الوقت إلى ترك وظائفهم. فعندما يُطلب من بعض الموظفين الحضور إلى المكتب بشكل متكرر، قد يفكرون في البحث عن فرص عمل أخرى تتيح لهم قدراً أكبر من المرونة. ومع ذلك، تُظهر البيانات أن هذا السبب، رغم أهميته، لم يسبب ارتفاع ملحوظ في معدلات الاستقالة، ما يشير إلى أن التأثير لا يزال محدودًا حتى الآن.
أي نمط عمل يزيد من خطر تعرض الموظفين للإرهاق والضغوط؟
لوسيا راهيلي: وماذا عن معدلات الإرهاق الوظيفي؟ هل هناك فروق ملحوظة بين أنماط العمل المختلفة؟
بروك ويدل: تُظهر البيانات أن مستويات الإرهاق الوظيفي متشابهة بين الموظفين الذين يعملون من المكتب وأولئك الذين يعملون عن بُعد، حيث يشعر نحو ثلث الموظفين في كلا النموذجين بالإرهاق. في المقابل، تنخفض هذه النسبة بين الموظفين الذين يعملون بنظام العمل المختلط، إذ أفاد ما يزيد قليلًا عن ربعهم فقط بشعورهم بالإرهاق.
ومن النقاط المهمة التي ناقشناها أن العودة إلى المكتب لا تتعلق فقط بإنجاز المهام الفردية، بل تتضمن أيضًا المزيد من التفاعلات اليومية. ففي بيئة العمل المكتبية، قد يمر أحد الزملاء لمناقشة فكرة جديدة أو لطرح مشروع محتمل، مما قد يؤدي إلى سلسلة من الاجتماعات والمبادرات التي تتطلب جهدًا إضافيًا. وعلى الرغم من أن هذا التفاعل المباشر قد يسهم في تحقيق نتائج أكثر إنتاجية، إلا أنه قد يزيد أيضًا من حجم العمل المطلوب، وهو ما قد يرفع من احتمالية الشعور بالإرهاق الوظيفي.
لوسيا راهيلي: قد تفتح اللقاءات العفوية غير المخططة في بيئة العمل الباب لأفكار جديدة وفرص مبتكرة، وهو ما يمثل فائدة حقيقية. ومع ذلك، فإن هذه اللقاءات تستهلك وقتًا قد يؤثر على إنجاز المهام اليومية.
بروك ويدل: بالضبط، وينطبق الأمر نفسه عندما يتعلق الأمر بتطوير الموظفين. فقد تكون اللقاءات غير المتوقعة فرصة مثمرة لتبادل الأفكار الجديدة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى لحظات يتطلب فيها أحد الزملاء الدعم الفوري، كأن يقول: "لدي مشكلة، هل يمكنك تخصيص 15 دقيقة لمناقشتها؟" ورغم أن هذه المحادثات قد تُعد استثمارًا جيدًا لوقت القائد، إلا أنها ليست جزءًا من الجدول الزمني المخطط له، مما قد يؤدي إلى شعور الشخص بفقدان السيطرة على تنظيم يومه.
كيف تختلف وجهات نظر الأجيال حول العودة إلى المكتب؟
لوسيا راهيلي: هل تلعب الفروق بين الأجيال دورًا في هذا الموضوع؟ على سبيل المثال، هل يواجه الموظفون الجُدد في بداية مسيرتهم المهنية صعوبة في الحصول على فرص الإرشاد والدعم الوظيفي مقارنةً بزملائهم الأكثر خبرة؟
برايان هانكوك: توضح البيانات أن مستويات الرّضا عن العمل من المكتب تختلف بين الأجيال. فقد أبدى جيل "بيبي بومرز" أعلى مستوى من الرّضا بنسبة 80%، يليه جيل "إكس" بنسبة 73%، ثم جيل "الألفية" بنسبة 72%. أما جيل "زد"، فقد سجل أدنى مستوى للرّضا بنسبة 68%. وبشكل عام، يبدو أن معظم الموظفين الذين عادوا إلى العمل من المكتب يشعرون بالرّضا تجاه هذا النمط، إلا أن الأجيال الأكبر سنًا أكثر رضا مقارنةً بالأجيال الأصغر.
لوسيا راهيلي: هل يؤثر النوع الاجتماعي على كيفية تفاعل الموظفين مع قرارات العودة إلى المكتب؟ بمعنى آخر، هل تختلف تجارب وتأثيرات هذه القرارات بين الرجال والنساء؟
بروك ويدل: أعتقد أن هذا سؤال مهم للغاية. فقد أظهرت النتائج أن هناك بعض أوجه التشابه بين الرجال والنساء من حيث مستوى الرّضا عن أنماط العمل المختلفة، لكن في المقابل كان هناك أيضًا اختلافات واضحة.
فقد أفادت النساء بأنهن أقل رضا عن العمل من المكتب مقارنةً بالرجال. كما أشرن إلى أن الممارسات التي تسهم في نجاح هذا النموذج، مثل التعاون وتطوير المهارات، لا تزال أقل تطورًا وفاعلية من وجهة نظرهن. وأكثر ما لفت الانتباه هو أن النساء أعطين تقييمًا أقل لفرص الإرشاد والتوجيه المهني مقارنةً بالرجال، مما يشير إلى وجود فجوة في الدعم والتطوير الوظيفي بين الجنسين في بيئة العمل المكتبية.
لوسيا راهيلي: غالبًا ما يرتبط الحديث عن النساء في بيئة العمل بمسؤوليات الرعاية. ولكن في الواقع، جميع الفئات من مختلف الأنواع الاجتماعية تشارك في هذه المسؤوليات. هل تناولت الأبحاث دور الرعاية كعامل مؤثر في هذا السياق؟
بروك ويدل: هناك بالفعل تأثير ملحوظ لمسؤوليات الرعاية على الموظفين. فقد أظهرت النتائج، وللأسف، أن الموظفين الذين يضطلعون بمسؤولية رعاية الآخرين—سواء كانوا أطفالًا صغارًا أو كبارًا في السن—ويعملون من المكتب، هم الأكثر ميلًا للتفكير في ترك وظائفهم. وهذا الاتجاه ينطبق على كلٍّ من الرجال والنساء. ومن المهم بالطبع مناقشة تأثير النوع الاجتماعي في هذا السياق، لكن الأهم أيضًا هو النظر إلى الصورة الأكبر وطرح سؤال جوهري ألا وهو: كيف تؤثر مسؤوليات الرعاية على الموظفين الذين يعولون أشخاصًا يعتمدون عليهم؟
لوسيا راهيلي: وماذا عن بُعد المسافة؟ خلال فترة العمل عن بُعد، انتقل العديد من الموظفين إلى مناطق جديدة، وأصبح الوصول إلى مكاتبهم يتطلب وقتًا وجهدًا أكبر، بل وربما بات مستحيلًا للبعض. في ظل هذا التغير، كيف تتعامل الشركات مع هذا التعقيد الجغرافي عند تطبيق سياسات العودة إلى المكتب؟ وهل هناك حلول جديدة توازن بين متطلبات الحضور وظروف الموظفين الجديدة؟
برايان هانكوك: إن العودة إلى المكتب تعني ببساطة العودة فعليًا على أرض الواقع، دون استثناءات. فإذا كان مكتبك في أتلانتا وأصبحت تعيش الآن في تشاتانوغا، على بُعد ساعتين بالسيارة في أفضل الأحوال، ستظل مطالبًا بالحضور إلى المكتب.
خلال فترة العمل عن بُعد، اتخذ العديد من الموظفين قرارات غيرت حياتهم، حيث انتقلوا إلى مناطق بعيدة بحثًا عن نمط حياة أفضل. لكن مع بدء تطبيق سياسات العودة إلى المكتب، بدأنا نرى هذه الأنماط تتغير مُجددًا. فعلى سبيل المثال، تحدثت مؤخرًا مع أحد التنفيذيين ممن اختاروا، بدلًا من التنقل اليومي المرهق، مشاركة شقة مؤقتة مع مجموعة من الأصدقاء—وهم أيضًا موظفون كانوا يعملون عن بُعد واضطروا الآن للعودة إلى المكتب. بهذه الطريقة، تمكنوا من التكيف مع متطلبات العمل دون التضحية بجودة حياتهم.
في النهاية، عندما تطلب الشركات من الموظفين العودة إلى المكتب، فهي تعني ذلك بجدية. وقد تختلف درجة المرونة من شركة إلى أخرى فيما يتعلق بموعد التنفيذ، لكنها هي في النهاية تسعى لتحقيق الهدف ذاته. "بروك"، ما أبرز الملاحظات التي لفتت انتباهك في هذا السياق؟
بروك ويدل: من خلال المحادثات التي أجريتها، يتضح أن الوضع متشابه إلى حد كبير. فقد تحدثت مع عدد من القادة التنفيذيين الذين اضطروا إلى اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالالتزام بالعمل من المكتب أو الاستمرار في أنماط العمل الأخرى. بالنسبة لهؤلاء القادة، تكون الخيارات واضحة ومباشرة، إذ يمتلكون الموارد والعلاقات التي تسهّل عليهم اتخاذ مثل هذه القرارات. لكن التحدي الأكبر يظهر عند المديرين في المستويات المتوسطة أو الموظفين الجُدد، حيث تصبح الخيارات أكثر تعقيدًا. فهؤلاء غالبًا ما يفتقرون إلى شبكة علاقات قوية أو رأس مال اجتماعي، ناهيك عن الموارد المالية التي تمنحهم مرونة اختيار نمط العمل الأنسب لهم. وبالتالي، فإن العودة إلى المكتب بالنسبة لهم لا تتعلق فقط بالحضور الجسدي، بل تمتد إلى فرص التطور المهني والاستقرار المالي.
ما هو النموذج الأمثل للعمل؟
لوسيا راهيلي: تخيل أنك قائد في مؤسسة وتبحث عن نموذج العمل الأنسب لك ولفريقك. من أين تبدأ من حيث تقييم الخيارات المتاحة؟ كيف توازن بين مزايا كل نموذج وتحدياته، سواء كان العمل من المكتب، أو عن بُعد، أو بنظام مختلط؟
برايان هانكوك: إذا كنت قائدًا تبحث عن نموذج العمل الأنسب، فابدأ بطرح هذا السؤال: ما النتيجة التي تريد تحقيقها؟ وما هو الطريق الأفضل للوصول إليها؟ لقد كشفت أبحاثنا عن نتيجة لافتة؛ فعند سؤال المشاركين عن مدى نضج شركاتهم في مجالات التعاون، والابتكار، والإرشاد المهني.
بينما جاءت الإجابات مفاجئة؛ فالموظفون الذين عادوا إلى المكتب بدوام كامل قيّموا هذه الجوانب بنفس المستوى تقريبًا مثل أولئك الذين يعملون عن بُعد أو بنظام مختلط. هذه النتائج تقول لنا شيئًا مهمًا وهو أن الأمر لا يتعلق بالمكان الذي يعمل فيه الموظفون، بل بما يحدث عندما يجتمعون للعمل. فسواء كان العمل من المكتب أو عن بُعد، ما يصنع الفارق حقًا هو كيفية استثمار هذا الوقت لبناء ثقافة تعاون قوية، وتعزيز الابتكار، وتوفير فرص الإرشاد والتطوير المهني.
إن تحقيق النجاح في أي نموذج عمل—سواء كان عن بُعد، مختلطًا، أو من المكتب—يتطلب تخطيطًا واعيًا وهادفًا. فعلى سبيل المثال، عندما تظهر فكرة جديدة، لا يكفي مجرد الحديث عنها؛ بل تحتاج إلى وقت مخصص للتفكير العميق والعمل المركّز بعيدًا عن التوقف أو المقاطعات. هذه اللحظات من التركيز الصافي ضرورية لإجراء الأبحاث، وتحليل التفاصيل، وبناء خطة واضحة لتحويل الفكرة إلى مشروع واقعي.
لكن رحلة تطوير الفكرة لا تنتهي هنا. فعندما يحين وقت توسيع نطاق الفكرة وربطها بباقي أقسام المؤسسة، يصبح التخطيط المسبق أكثر أهمية. فالأفكار لا تنتشر تلقائيًا لمجرد أنك التقيت بزميل داخل الشركة وشاركتما الحديث. عليك أن تكون استراتيجيًا في تحديد من يجب أن يشارك في تطوير الفكرة، وكيفية خلق الروابط بين الفرق المختلفة، لضمان أن تتحول الفكرة الصغيرة إلى مبادرة مؤثرة تحقق نتائج ملموسة.
بروك ويدل: ابدأ باختيار نموذج العمل الأنسب لمؤسستك، لكن لا تتوقف عند هذا الحد. خصص الوقت للتفكير في كيفية تكييف هذا النموذج ليعمل بفاعلية ويحقق أقصى فائدة لموظفيك. فاختيار النموذج هو مجرد الخطوة الأولى، بينما يكمُن النجاح الحقيقي في كيفية تنفيذه وتطويره بما يُلبي احتياجات فريقك.
لنكن صادقين؛ ونقول أن التعاون، والابتكار، والإرشاد المهني لم تكن دومًا عناصر مثالية حتى في فترة ما قبل الجائحة، عندما كان الجميع يعملون من المكتب. لذا، من غير الواقعي الاعتقاد بأن العودة إلى المكتب وحدها كافية لتعزيز هذه الجوانب الحيوية. ولهذا، تحتاج المؤسسات إلى إعادة تقييم النماذج التي تعتمدها. لا يكفي مجرد العودة إلى الأساليب القديمة، بل يجب أن تسأل: "كيف يمكننا تطوير هذا النموذج ليواكب تطلعاتنا؟ وكيف نجعله أداة فعّالة لدعم الابتكار، وتحفيز التعاون، وتقديم فرص إرشاد حقيقية لموظفينا؟" النجاح يتطلب أكثر من مجرد حضور جسدي، إنه يتطلب رؤية واضحة وخطة مدروسة تضمن تحقيق الأهداف المنشودة.
برايان هانكوك: في رأيي، هذه هي الفرصة الأهم التي لا ينبغي أن تُفوت. فالعودة إلى المكتب ليست مجرد خطوة عادية، بل هي لحظة حاسمة تمنح القادة فرصة لإعادة ضبط إيقاع بيئة العمل، وصياغة قواعد جديدة تتماشى مع متطلبات العصر وتطلعات الموظفين. ما يقلقني هو أن تُركّز الشركات فقط على فكرة: "لقد عدنا إلى المكتب، والموظفون أكثر رضا مما توقعنا. وتنتهي القصة عند هذا الحد."
لوسيا راهيلي: استنادًا إلى خبرتك في العمل مع العملاء، هل ترى أن القادة يوضحون أهدافهم بشكل واضح ومباشر عند دعوتهم الموظفين للعودة إلى المكتب؟ بمعنى آخر، هل يشرحون الأسباب الحقيقية وراء هذا القرار والفوائد التي يتوقعون تحقيقها؟ أم أن العودة تتم دون رؤية واضحة تجعل الموظفين يدركون الغاية من هذا التوجه؟
بروك ويدل: لقد رأيت قادة يتعاملون مع هذا الأمر بوضوح كبير. على سبيل المثال، هناك مؤسسة أعرفها تبنت مجموعة من القواعد الجديدة التي تنبثق من إرث ثقافتها العريقة وتاريخها الذي تفخر به. هذه المؤسسة تعتمد ثقافة العمل من المكتب أولًا، لكن ذلك لا يعني أن جميع الموظفين مطالبون بالحضور يوميًا.
ما يميز هذه المؤسسة هو قدرتها على تكييف القواعد الثقافية بما يتماشى مع المتغيرات الحديثة، إلى جانب استثمارها في تطوير مهارات قادتها لمواجهة التعقيدات الجديدة. فالأمر لا يرتبط فقط ببيئة العمل في مرحلة ما بعد الجائحة، بل يشمل أيضًا التعامل مع التغيرات السريعة التي يشهدها العالم. إنهم يدركون أن القادة بحاجة إلى أدوات وقدرات تمكنهم من القيادة الفعالة وسط هذه التعقيدات. ولذلك، يحتفلون باللحظات التي ينجح فيها هذا النهج، مما يعزز من ثقافة العمل الإيجابية ويحفز الجميع على مواصلة العمل بفعالية.
لم يعد المكتب كما كان قبل خمس سنوات. فمع تغيّر أنماط العمل، أعادت العديد من الشركات تصميم مكاتبها، وقلصت المساحات المكتبية، مما خلق توقعات جديدة حول كيفية استخدام هذه المساحات. اليوم، تعتمد المؤسسات بشكل متزايد على تحليلات متقدمة للإجابة عن أسئلة مهمة مثل: "هل يتم استخدام مقهى المكتب كما خططنا له؟ في أي أوقات يكون أكثر ازدحامًا؟ من هم الأشخاص الذين يجتمعون هناك؟ وهل غرف الاجتماعات تُستخدم بكفاءة؟
المفارقة هنا أن الشركات قلصت المساحات، لكنها عادت إلى المكتب مع حاجة أكبر للتعاون والتواصل المباشر، ما وضع ضغطًا متزايدًا على المساحات المتاحة. هذا التحدي الجديد يتطلب تطوير أدوات تحليلية حديثة تجمع بين إدارة العقارات المؤسسية والموارد البشرية. السؤال الأهم الذي يجب على الشركات الإجابة عنه الآن هو: "بعد تقليص المساحة، ومع سعينا لتعزيز التعاون، هل نجحنا حقًا في تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية وبيئة العمل التفاعلية؟
لوسيا راهيلي: من الواضح أن طريقة عملنا قد مرت بتحول جذري. فاليوم، حتى عندما أكون في المكتب، أجد نفسي أحيانًا محاطة بجدران مكتبي المغلق، أتواصل عبر "زووم" أو "تيمز" بدلاً من التفاعل المباشر مع الزملاء. أشعر وكأنني أعوم على جزيرة جليدية معزولة، رغم وجودي فعليًا في مقر العمل. هذا التغيير لا يقتصر فقط على طريقة التواصل، بل يمتد أيضًا إلى كيفية استخدام المساحات المكتبية. فمع تقليص المساحات، لم يعد هناك مكتب ثابت للجميع. ظهر ما يُعرف بـ"المكاتب الفندقية" و"المكاتب المشتركة"، حيث يختار الموظفون أماكن جلوسهم يوميًا. لكن هذا التحول المادي رافقه تحول أعمق في ثقافة التعاون.
بروك ويدل: صحيح، لقد مررنا بتجربة مختلفة تمامًا، ولا يمكننا العودة إلى ما كنا عليه قبلها. فقد أصبحنا أكثر وعيًا بطريقة العمل التي تناسبنا، ليس فقط لتحقيق أهدافنا المهنية، بل أيضًا للشعور بالراحة والرّضا في حياتنا اليومية. اليوم، لم يعد العمل مجرد وسيلة لإنجاز المهام، بل أصبح جزءًا من تجربة شخصية تعكس من نحن وكيف نريد أن نعيش. نحن الآن نسعى إلى أساليب عمل تمنحنا الشعور بالواقعية والتوازن، حيث يمكننا تحقيق أهدافنا المهنية مع الحفاظ على هويتنا وشعورنا بالانتماء.
عندما أعود إلى المكتب، يجب أن تكون التجربة استثنائية. فالعودة إلى المكتب ليست مجرد حضور جسدي، بل هي جزء من عملية تحول ثقافي تحتاج إلى قيادة ملهمة. يجب على القادة أن يكونوا قدوة في تطبيق هذه الثقافة الجديدة، كما ينبغي أن يكون هناك موظفون متحمسون يجسدون هذه القيم في سلوكهم اليومي وينقلونها للآخرين.
تحدثت مؤخرًا مع مديرة في إحدى المؤسسات تحرص دائمًا على أن يجتمع فريقها في نفس الغرفة عند العمل من المكتب. وقالت: "هكذا نتعلم ونتطور معًا." لكن التحدي الحقيقي يكمن في إشراك الموظفين الأصغر سنًا أو الأقل خبرة في دعم هذه الثقافة الجديدة. فإذا لم يتحمسوا لها ويصبحوا جزءًا منها، فسيكون من الصعب ترسيخها وتوسيع نطاقها داخل المؤسسة.
هذا مثال للعمل من المكتب، لكن المبدأ نفسه ينطبق حتى في بيئة العمل عن بُعد. بغض النظر عن مكان العمل، تحتاج المؤسسة إلى أشخاص يمكنهم أن يكونوا قدوة حقيقية، يجسدون السلوكيات التي ترغب الشركة في ترسيخها. لكن قبل ذلك، يجب تحديد هذه السلوكيات بوضوح، حتى يدرك الجميع المعايير المطلوبة. بعد تحديد السلوكيات، يأتي دور بناء نموذج عملي ومتسق يساعد الموظفين على تطوير المهارات اللازمة لتجسيدها.
ماذا تعني العودة إلى المكتب بالنسبة لإدارة الموارد البشرية؟
لوسيا راهيلي: "برايان"، لقد ذكرتَ من قبل دور إدارة الموارد البشرية وعلاقتها بإدارة عقارات المؤسسات. وكنا قد ناقشنا في إحدى حلقات هذا البودكاست ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق بين موظفي الموارد البشرية.1 في رأيك، هل تزيد سياسات العودة إلى المكتب من صعوبة هذا التحدي لفِرَق الموارد البشرية؟ وهل يؤدي هذا التحول إلى ضغوط إضافية عليهم أثناء محاولتهم تلبية احتياجات الموظفين وتحقيق أهداف المؤسسة في الوقت نفسه؟
برايان هانكوك: أي تغيير يحدث للموظفين يضع ضغطًا على إدارة الموارد البشرية. في بعض الحالات، يمكن للعودة إلى المكتب أن تجعل الأمور أسهل، مثل تمكين إدارة الموارد البشرية من تسهيل المحادثات الصعبة وجهًا لوجه. من الناحية النظرية، كل شيء يجعل العودة إلى المكتب أسهل سيسهل أيضًا في نفس الوقت عمل قسم الموارد البشرية.
لكن التحدي الحقيقي لإدارة الموارد البشرية هو إدارة هذه العملية وضبط توقعات الموظفين الذين قد يشعرون بالإحباط أو يواجهون صعوبة في التكيف مع التغيير. هذا سيشكل ضغطًا على الموارد البشرية خلال فترة التحول، ولكنني لا أعتقد أنه سيكون مصدرًا دائمًا للضغوط في المستقبل.
بروك ويدل: تحدثنا سابقًا عن زيادة عدد الموظفين الذين يعملون من المكتب بشكل كبير. أعتقد أن هذه الفترة تمثل نوعًا من الاستقرار. والآن، يجب أن يكون التركيز على تحسين طريقة عمل هذا النموذج. بحيث يكون طريقة تفكير الموظفين وكأن لسان حالهم يقول "حسنًا، أنا هنا قبلت العةدة إلى العمل الحضوري وأنا متكيف مع الوضع ومتقبل للفكرة". ولكن في أرض الواقع، كيف يمكننا جعل هذا النموذج يحقق أهدافه بشكل أفضل، خاصة في مجالات الابتكار والتعاون؟
لأن هذه هي الفائدة الحقيقية—سواء كان العمل عن بُعد، أو من المكتب، أو بنظام مختلط. هذه هي الفرصة الفعلية التي يجب أن نغتنمها، ولكن لا يمكن لإدارة الموارد البشرية تحقيقها بمفردها. فالمسؤولية تقع على الجميع في المؤسسة، حيث أن القادة هم من يجب عليهم أن يكونوا أول من يطبق ويجسد هذا النموذج.
هل فعلاً يشكل الموظفون المعرضون للاستقالة تهديدًا حقيقيًا للشركات؟
لوسيا راهيلي: ليس من الغريب أن نرى هذه الزيادة في الأعداد. لكن هناك أمر آخر يثير الدهشة.
بروك ويدل: تقصد مستوى الرّضا؟
لوسيا راهيلي: نعم. عندما نفكر في احتمالية مغادرة الموظفين الذين يُطلب منهم العودة إلى المكتب، نجد أن الموظفين ذوي الأداء العالي عادةً ما يُعتبرون من أبرز الفئات المعرضة لهذا الخطر. ذلك لأنهم يمتلكون خيارات أكثر من غيرهم، مما يسهل عليهم البحث عن فرص عمل مرنة في أماكن أخرى. هل هناك مؤشرات في هذا السياق توضح هذا التوجه؟
برايان هانكوك: لقد أظهرت البيانات الأخيرة من بعض الباحثين أن الموظفين ذوي الأداء العالي هم الأكثر ميلًا للمغادرة. ويبدو أن الأمر منطقي؛ فالموظفون في المستويات المتوسطة أو الأقل الذين قد لا يكون لديهم فرص كبيرة في السوق، يقولون حينها: " لا نحب التغيير، لكننا متقبلون للأمر وسنبقى مع صاحب العمل الحالي."
من جهة أخرى، بدأت بعض الشركات التي اعتمدت نماذج العمل عن بُعد أو المختلط في استهداف هؤلاء الموظفين ذوي الأداء العالي، مما يمنحها فرصة جذب مواهب لم تكن لتتمكن من الوصول إليها من قبل، بفضل تقديمها بديلاً جذابًا في سوق العمل.
لوسيا راهيلي: إذا كان خطر مغادرة الموظفين ذوي الأداء العالي أكبر، فهل يعني ذلك أيضًا أن المديرين قد يعاملونهم بشكل مختلف من حيث المرونة في العمل من المنزل؟ وهل سيكون هناك تفرقة في كيفية منحهم هذا الخيار مقارنةً بالآخرين؟
برايان هانكوك: أعتقد أن هذا يشكل خطرًا حقيقيًا، ويجعل الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة للمديرين. إذا كان لدى المدير موظف متميز يطلب العمل عن بُعد ثلاثة أيام في الأسبوع، قد يوافق على طلبه. لكن هذا قد يثير مشاكل تتعلق بالعدالة، وربما يؤدي إلى تحديات أكبر في المستقبل. لذلك، يجب أن تكون السياسات واضحة تمامًا في المؤسسة: ما هو مسموح به، وأين يمكن تطبيق الاستثناءات، وكيفية تدريب المديرين والقادة على تنفيذ سياسة العودة إلى المكتب بشكل عادل وفعّال.
ما يثير الاهتمام هو أنه على الرغم من أن الكثير من الرؤساء التنفيذيين والعديد من الأبحاث تؤكد على العودة إلى المكتب ورغبتهم في ذلك، فإننا لم نرَ بعد نفس الكم من الأبحاث التي تؤكد أننا نشهد قفزة كبيرة في الإنتاجية، أو الرضا، أو الابتكار. لا توجد أبحاث حتى الآن تثبت أن العودة إلى المكتب قد أدت إلى تحسن ملحوظ في أي من المؤشرات الفردية.
وفي الوقت الذي لم نشهد فيه انهيارًا كبيرًا بسبب الاستقالات الضخمة أو عدم الرّضا العام بين الموظفين، إلا أن الشركات تخاطر بشكل كبير عند اتخاذ قرار العودة إلى المكتب—خاصةً فيما يتعلق بإمكانية مغادرة بعض الموظفين المتميزين، وهو ما يحدث عادة في أي عملية انتقال. وإذا كانت الشركات ستتحمل هذه المخاطرة، عليها التأكد من أن التغيير سيكون مثمرًا. يجب عليها الاستثمار في بنية التعاون، والابتكار، والإرشاد لضمان جدوى هذه المخاطرة في النهاية. وإلا، فإنها ستكون قد مرّت بتغييرات كبيرة وخلقت مخاطر جديدة دون أن تحقق فائدة واضحة في المقابل.
لوسيا راهيلي: هل لديك كلمات أخيرة أو نصائح تريد أن توجهها للقادة أو للموظفين الذين يواجهون قرار العودة إلى المكتب في ظل السياسات الجديدة؟
برايان هانكوك: كن واضحًا تمامًا فيما تحاول تحقيقه وحدد قواعد العمل بوضوح. ثم، حدد كيفية تغيير طريقة العمل لتحقيق النتيجة التي تأمل في الوصول إليها من خلال العودة إلى المكتب. فالأشخاص الذين عبّروا عن عدم وضوح التوقيت الذي سيكون بإمكانهم العمل فيه عن بُعد كانوا هم الأكثر استياءً من طريقة تنفيذ العملية.
لوسيا راهيلي: سيكون من المثير للاهتمام المتابعة ما إذا كان هذا التوجه سيستمر ويثبت نفسه في المستقبل أم يجد في طريقه تحديات تعوقه.