معالجة التدفئة الكهربائية: خطوة للأمام نحو تقليل انبعاثات الكربون من القطاع الصناعي

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

حاليًا، يستهلك القطاع الصناعي نحو 37% من إجمالي الطاقة العالمية،1 ويشمل ذلك قطاعات رئيسية مثل الصناعات الكيميائية، والتصنيع، وصناعة اللب والورق. ومن اللافت أن حوالي ثلثي هذا الاستهلاك للطاقة الصناعية يُخصص لتوليد الحرارة. بمعنى آخر، يشكل الطلب على الحرارة الصناعية أكثر من 20% من إجمالي استهلاك الطاقة على مستوى العالم2. والأمر الأكثر إلحاحًا هو أن ما يقرب من 80% من هذه الطاقة الحرارية يتم إنتاجه باستخدام الوقود الأحفوري، مما يجعل تقليل الاعتماد عليه تحديًا أساسيًا لتحقيق أهداف تقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاستدامة.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

في ظل الأهداف المناخية متزايدة الصرامة، أصبحت إزالة الكربون من عمليات توليد الحرارة تحديًا مُلحًا يتطلب اهتمامًا فوريًا من القطاع الصناعي. ومع ذلك، تعيق عدة عوامل هذا التوجه، بما في ذلك محدودية توفر التقنيات المتطورة بتكاليف معقولة، وعدم نضجها بالشكل الكافي للتطبيق الواسع. بالإضافة إلى ذلك، تشكل القيود المالية وعدم توافر الأموال والتردد في تحمل مخاطر استثمار رأس المال عقبات رئيسية أمام التوسع في استخدام التدفئة الكهربائية على نطاق واسع.

وفقًا لتقرير حديث صادر عن معهد ماكنزي العالمي، تعتمد حوالي 50% من الجهود العالمية لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة على مواجهة تحديات مادية أساسية، بما في ذلك الاعتماد على مصادر حرارية بديلة في إنتاج المواد الصناعية3. يستعرض هذا المقال الإمكانات الهائلة التي توفرها تقنيات التدفئة الكهربائية لإزالة الكربون من القطاع الصناعي. ويغطي المقال أمثلة متعددة على استخدام هذه التقنيات في صناعات مختلفة، بالإضافة إلى تقديم رؤية شاملة حول التقنيات المتوفرة حاليًا وتلك المتوقع ظهورها في المستقبل القريب. كما يشير المقال إلى خمسة أسئلة استراتيجية رئيسية تهدف إلى مساعدة الشركات المصنعة للأجهزة الأصلية (OEMs) على اختيار الحلول المناسبة لأعمالها، مما يمكنها من تعزيز الاستدامة وتحسين الكفاءة التشغيلية.

نظرة عاملة على إزالة الانبعاثات الكربونية واعتماد التدفئة الكهربائية

إن التحول إلى تحقيق صافي انبعاثات صفري يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه العالم في عصرنا الحالي. فقد التزمت أكثر من 5,000 شركة حول العالم من مختلف القطاعات والمناطق بوضع أهداف لتقليل الانبعاثات4. في الوقت ذاته، تتخذ الجهات التنظيمية خطوات حاسمة لتحقيق هذه الأهداف. على سبيل المثال، يطمح الاتحاد الأوروبي إلى خفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030 والوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050 5. لكن تحقيق هذه الأهداف الطموحة يتطلب تسريع وتيرة تطوير مصادر الطاقة الخضراء. ومع ذلك، تواجه البنية التحتية لشبكات الكهرباء تحديات كبيرة، حيث تكافح الشبكات للتكيف مع التقلبات المتزايدة في إمدادات الطاقة المتجددة، إلى جانب صعوبة توزيع الطاقة عبر شبكات الجهد المنخفض والمتوسط التي تعتمد عليها معظم الصناعات.

ولحسن الحظ، بدأت الدول الأوروبية ومشغلو شبكات الكهرباء في اتخاذ خطوات حاسمة لدعم طموحات تحقيق صافي انبعاثات صفري. فقد تم الإعلان عن زيادة كبيرة في الاستثمارات الموجهة لتطوير البنية التحتية للطاقة، بهدف تمكين مولدات الطاقة الخضراء وتلبية احتياجات المستهلكين، سواء على نطاق صغير أو كبير. والأمر المشجع هو أن التقنيات اللازمة لدعم التحول الكهربائي في القطاع الصناعي، وبالتالي تقليل الانبعاثات الكربونية، متوفرة بالفعل. هذه التقنيات يمكن دمجها بسهولة في البنية التحتية الحالية، مما يعزز من سرعة تنفيذ الحلول المستدامة ويسهم في تحقيق الأهداف المناخية بفاعلية أكبر.

بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من المسارات الأُخرى المتاحة لإزالة الكربون، مثل استخدام الهيدروجين وتكنولوجيا احتجاز الكربون وتخزينه. ومع ذلك، تتطلب هذه الخيارات استثمارات كبيرة وتطوير بنية تحتية واسعة النطاق. في المقابل، يُعد التحول الكهربائي خيارًا جذابًا، حيث يمكن أن يوفر قيمة صافية إيجابية على المدى الطويل، مما يجعله بديلاً فعّالاً ومستدامًا لتقليل الانبعاثات الكربونية.6

تختلف قدرة القطاعات الصناعية على إزالة الكربون بناءً على احتياجاتها من درجات الحرارة (كما هو موضح في الشكل 1). على سبيل المثال، تتطلب العمليات التي تعتمد على درجات حرارة مرتفعة مصادر طاقة موثوقة وتقنيات مثبتة لضمان استمرارية الإنتاج دون انقطاع. ومع ذلك، لا تزال البدائل التقنية لاستبدال الغاز الطبيعي في هذه العمليات محدودة إلى حد كبير في الوقت الحالي. في المقابل، تُعد التطبيقات التي تعمل ضمن نطاق درجات الحرارة المنخفضة إلى المتوسطة الأكثر ملاءمة لاعتماد تقنيات التدفئة الكهربائية. ومن أمثلة هذه التطبيقات إنتاج البخار الصناعي وتوليد الهواء الساخن، حيث يمكن لهذه التقنيات أن تقدم حلولًا فعّالة ومستدامة لتلبية متطلبات هذه العمليات وتقليل الانبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ.

Tackling heat electrification to decarbonize industry

بشكل عام، تُعد الصناعات المتعلقة بالتصنيع، والأغذية والمشروبات، والزراعة والغابات من بين القطاعات الأكثر اعتمادًا على العمليات التي تتطلب حرارة منخفضة (أقل من 200 درجة مئوية). وتحديدًا، تُظهر الصناعات المتعلقة بالتصنيع والأغذية والمشروبات إمكانات كبيرة للاستفادة من التحول إلى التدفئة الكهربائية في المدى القريب إلى المتوسط. فمن المتوقع أن تصل معدلات اعتماد الكهرباء في هذه القطاعات إلى 62% و44% من إجمالي الطلب على الطاقة، وذلك بالتوالي بحلول عام 2030.7 على النقيض من ذلك، تتسم الصناعات مثل الكيماويات، والحديد والصلب، والمعادن غير المعدنية بمتطلبات درجات حرارة مرتفعة. إذ تعتمد هذه القطاعات بشكل كبير على الحرارة المتوسطة إلى العالية (أكثر من 200 درجة مئوية) لتلبية احتياجات عملياتها الإنتاجية، مما يجعل التحول إلى التدفئة الكهربائية في هذه الصناعات أكثر تحديًا ويتطلب حلولًا تقنية متقدمة ومخصصة.

بشكل عام، يمثل التحول إلى التدفئة الكهربائية في القطاع الصناعي فرصة هائلة ذات إمكانات كبيرة للنمو والاستدامة. وبهذا الصدد، تشير التقديرات إلى إمكانية استثمار حوالي 4 مليارات دولار في هذا المجال خلال الفترة من عام 2024 إلى عام 2030، وذلك في دول الاتحاد الأوروبي الـ27 والمملكة المتحدة فقط. إذ تعتمد هذه الفرصة على استمرار النشاط في الصناعات ذات الانبعاثات المنخفضة، وكذلك في القطاعات التي تواجه صعوبة في تقليل انبعاثاتها. ومع ذلك، فإن كلا النوعين من الصناعات يواجهان تحديات كبيرة، تتراوح بين زيادة الضغوط التنافسية وصعوبة تأمين التمويل اللازم للاستثمار في تقنيات التحول الكهربائي.

تقنيات التدفئة الكهربائية: الخيار العملي لإزالة الكربون من القطاع الصناعي بالوقت الراهن

التقنيات المستخدمة اليوم لتوليد الحرارة في العمليات الصناعية تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: الغلّايات وسخّانات العمليات أو الأفران، حيث تُستخدم الغلّايات، التي تعمل غالبًا بالغاز الطبيعي، لتوليد البخار أو تسخين الزيوت الحرارية عند درجات حرارة منخفضة إلى متوسطة تصل إلى 500 درجة مئوية، مما يجعلها مناسبة للعمليات التي تحتاج إلى حرارة معتدلة، مثل الصناعات الغذائية والتدفئة المركزية، بينما تُستخدم سخّانات العمليات أو الأفران لتوليد درجات حرارة أعلى بكثير، سواء بشكل مباشر عبر احتراق الوقود داخل الجهاز أو بشكل غير مباشر باستخدام وسائط حرارية، وهي مثالية للعمليات التي تتطلب حرارة مرتفعة مثل صهر المعادن وتكرير النفط، ويمثل هذا الاختلاف في نطاق درجات الحرارة واستخدام الوقود دورًا جوهريًا في تحديد التقنية الأنسب لكل صناعة، كما أن تحسين هذه التقنيات أو استبدالها بحلول كهربائية يعتبر خطوة أساسية لتحقيق أهداف إزالة الكربون وتقليل الانبعاثات الصناعية.

يتوفر في الوقت الحالي مجموعة متقدمة ومتنوعة من تقنيات التدفئة الكهربائية التي يمكنها تلبية احتياجات مختلفة لتطبيقات الحرارة في نطاقات متنوعة من درجات الحرارة وحالات الاستخدام. على سبيل المثال، تُعتبر المضخات الحرارية خيارًا مثاليًا لتوفير درجات حرارة منخفضة تصل إلى 150 درجة مئوية. بينما توفر تقنية إعادة ضغط البخار الميكانيكي حلاً مناسبًا لدرجات حرارة أعلى من هذا المستوى8. أما الغَلّايات الكهربائية، فهي قادرة على تقديم نطاق واسع من درجات الحرارة يصل إلى 500 درجة مئوية، وهو مماثل لما توفره الغَلّايات التي تعمل بالغاز. وللعمليات التي تتطلب درجات حرارة فائقة تتجاوز 1,000 درجة مئوية، يمكن الاعتماد على السخانات التوربينية وسَخّانات الحث الكهرومغناطيسي، اعتمادًا على التصميم الفني والإعدادات التقنية المستخدمة.

ومن بين الخيارات المتاحة لاعتماد التدفئة الكهربائية في القطاع الصناعي، (باستثناء التطبيقات ذات درجات الحرارة المرتفعة في الصناعات الثقيلة مثل الأفران الكهربائية، وأجهزة التكسير الكهربائي، والأفران الصناعية التقليدية)، تشير توقعاتنا إلى أن خمس تقنيات رئيسية يمكنها تغطية أكثر من 80% من احتياجات السوق عبر مختلف القطاعات الصناعية (كما هو موضح في الشكل 2). هذه التقنيات تشمل المضخات الحرارية، وسخانات الحث الكهرومغناطيسي، وإعادة ضغط البخار الميكانيكي، والغَلّايات الكهربائية، والسخانات التوربينية. تتميز كل من هذه التقنيات بخصائص تقنية محددة تتناسب مع متطلبات درجات الحرارة، ونوع المادة أو الوسط الذي يتم تسخينه، ومدى جاهزيتها للتطبيق على نطاق صناعي واسع. ولتعزيز فعاليتها، يمكن دمج هذه التقنيات مع أنظمة تخزين الطاقة الحرارية. تسمح هذه الأنظمة بالتقاط الكهرباء الناتجة عن مصادر الطاقة المتجددة ذات الطبيعة المتقطعة وتخزينها لاستخدامها عند الحاجة، مما يسهم في تحسين كفاءة العمليات الصناعية وتعزيز استدامتها البيئية.

Tackling heat electrification to decarbonize industry

تُعتبر المضخّات الحرارية الصناعية من الحلول الواعدة التي بدأت تجد طريقها إلى قطاعات مختلفة، ويبرز قطاع الأغذية والمشروبات كواحد من أكثر القطاعات مناسبة لتبني هذه التقنية. في هذا القطاع، يُخصص نحو 40% من إجمالي استهلاك الطاقة لتوليد البخار9، الذي يُعد عنصراً أساسياً في العديد من العمليات الإنتاجية. وفي الوقت الراهن، يتم توليد أكثر من 80% من البخار باستخدام الغلّايات التقليدية أو أنظمة التوليد المشترك للطاقة والحرارة، والتي تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.

لذلك ولمثل هذه الحالات، تُعد المضخّات الحرارية هي الخيار الأكثر كفاءة لإزالة الكربون في العمليات الصناعية، خاصةً عندما تكون تكاليفها معقولة ومجدية من حيث رأس المال. هذه التقنية تُثبت فاعليتها بشكل خاص في الصناعات التي تعتمد على عمليات ذات درجات حرارة منخفضة. على سبيل المثال، قطاع مصانع الجعة يمثل نموذجًا مثاليًا لإمكانية تطبيق هذه التقنية. لإنتاج حوالي 500,000 هكتوليتر، يتطلب بيت التخمير حوالي 7 جيجا واط/ساعة من الطاقة لتوليد البخار اللازم (لعمليات التخمير والتنقية والغَلي)، عند درجات حرارة تصل إلى 120 درجة مئوية. بالإضافة إلى ذلك، تستهلك عمليات التخمير حوالي 2 جيجاواط/ساعة لتلبية احتياجات الترشيح، وإزالة الكحول، والتسخين المؤقت، عند درجات حرارة تصل إلى 95 درجة مئوية. وأخيرًا، يحتاج قسم تعبئة الزجاجات إلى حوالي 5 جيجاواط/ساعة سنويًا لتنظيف الزجاجات، وملئها، وتعقيمها، بدرجات حرارة تصل إلى 70 درجة مئوية. ما يجعل هذه الصناعة مؤهلة للتحول المستدام هو إمكانية إزالة الكربون تمامًا من عمليات توليد البخار باستخدام التقنيات الحالية للمضخات الحرارية الصناعية. بالإضافة إلى ذلك، تقدم هذه التقنية فرصًا كبيرة لتحقيق التكامل بين العمليات المختلفة، مما يؤدي إلى تحسين الكفاءة وتقليل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير.

ولتحقيق عملية إزالة فعالة للكربون في العمليات الصناعية، لا يقتصر الأمر على استخدام تقنيات التدفئة منخفضة الكربون، بل يتطلب أيضًا تطويرًا شاملاً للبنية التحتية للتدفئة الكهربائية وتعزيز استخدام مصادر الطاقة المتجددة. على سبيل المثال، أظهرت تجربة تشغيل جهاز "e-cracker" في أوروبا بطاقة إنتاجية تبلغ 25 ميغاواط أنه يحتاج إلى دعم من حوالي 16 توربينة رياح، بطاقة 5 ميغاواط لكل منها، لتوفير الطاقة المطلوبة. كما يتطلب ذلك بطاريات لتخزين الطاقة وضمان استمرارية التشغيل في ظل التذبذب الناتج عن الطاقة المتجددة. أما في حالة استبدال أجهزة التكسير الصناعي التقليدية التي تعمل بطاقة تتراوح بين 600 و800 ميغاواط بأجهزة "e-cracker" التي تعتمد على الطاقة المتجددة المتقطعة، فإن الأمر قد يتطلب طاقة تعادل ضعفين أو ثلاثة أضعاف الطاقة الحالية لضمان تلبية احتياجات العمليات الصناعية بالكامل. علاوة على ذلك، يجب مراعاة التكاليف الإضافية لتحديث البنية التحتية، والتي قد تتراوح ما بين 20% إلى 30% من التكلفة الإجمالية للمشروع. تشمل هذه التحديثات تركيب محولات كهربائية جديدة وربط الأجهزة بشبكات الطاقة. كما أن تنفيذ هذه المشاريع يعتمد بشكل كبير على تعاون الشركاء (المحليين في قطاع المرافق)، ويتطلب الحصول على التراخيص اللازمة، وهي عملية قد تكون معقدة وطويلة الأمد، لكنها ضرورية لدعم هذا التحول الجوهري نحو الطاقة النظيفة.

أما بالنسبة للجزء المتبقي من السوق، تبرز الحاجة إلى استخدام تقنيات متقدمة مثل السخانات المقاومة، أو معززات البخار النظيف، أو سخانات الهواء المسبق. هذه التقنيات تلعب دورًا حيويًا في توليد واستعادة الحرارة، مما يجعلها جزءًا لا غنى عنه لتحقيق كفاءة أكبر وتقليل الانبعاثات. لتطبيق هذه الحلول بفعالية، يجب دمجها مباشرة في العمليات الصناعية الحالية، وهو ما يتطلب تطوير بنية تحتية متخصصة لدعم التوسع في استخدام هذه التقنيات.

ومع استمرار التقدم في التقنيات الحديثة، يبرز دور الابتكار في تطوير حلول مبتكرة للعمليات الصناعية ذات درجات الحرارة المرتفعة. من بين هذه التقنيات الواعدة، مشاعل البلازما، التي لا تزال في مرحلة البحث والتطوير للتطبيقات ذات القدرات العالية، وسخانات الحث الكهرومغناطيسي. توفر هذه التقنيات إمكانات هائلة لتحديث العمليات في صناعات مثل الأسمنت، الذي يعتمد على الأفران الدوارة، والكيماويات التي تتطلب أجهزة التكسير البخاري الكهربائي (e-crackers)، وفي خطوة رائدة نحو الاستدامة، قامت شركات مثل (BASF و SABIC وLinde ) بتشغيل أول مصنع تجريبي عالمي للأفران البخارية المُسخنة كهربائيًا على نطاق واسع. يتميز هذا المشروع بقدرته على معالجة ما يقرب من أربعة أطنان مترية من المواد الخام الهيدروكربونية في الساعة، مع استهلاك إجمالي يبلغ ستة ميغاواط من الطاقة المتجددة. ويكون الأثر البيئي لهذا الابتكار استثنائي، حيث يمكن أن يقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالأفران البخارية التقليدية.10

استراتيجيات متنوعة يجب أن تضعها الشركات المصنعة للأجهزة الأصلية بالاعتبار

تشهد العديد من تقنيات التدفئة الكهربائية تنافسًا كبيرًا على تطبيقات محددة، ولم تُحسم حتى الآن التقنية التي ستُعتبر الأكثر كفاءة وفعالية في المستقبل. فاختيار الشركات المصنعة للأجهزة الأصلية للتقنية الأنسب يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: أولاً، مدى نضوج التقنية في السوق، حيث سيكون اختيار التقنية مرتبطًا بمدى تطورها وانتشارها عند زيادة الطلب عليها، وهو ما يُتوقع أن يتحقق بشكل أكبر بعد عام 2030. ثانياً، تصميم النظام الحراري وطبيعة الوسائط والمواد المستخدمة في المصنع. ثالثاً، متطلبات العملية الإنتاجية الخاصة، فبعض العمليات تتطلب ميزات معينة، مثل سرعة التسخين العالية في الأنظمة الاحتياطية، مما يجعل الغلايات الكهربائية خيارًا أكثر ملاءمة مقارنة بالمضخات الحرارية في مثل هذه الحالات.

بالنظر إلى هذه النقاط، يمكن للشركات المصنعة للأجهزة الأصلية المتخصصة في تقنيات التدفئة منخفضة الكربون طرح الأسئلة التالية لتحديد الاستراتيجية الأنسب التي تلبي احتياجات أعمالها.

اختيار الاستراتيجية: هل تتميز شركتك بالتخصص في تقديم حلول محددة تركز على مجال معين بعمق وكفاءة؟ أم أنك تعتمد نهجًا شاملاً يوفر مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات لتلبية احتياجات متعددة في السوق؟

تتبنى بعض الشركات استراتيجية التركيز على تقنية واحدة بهدف التفوق فيها، حيث تسعى لتقديم أعلى مستويات الموثوقية والخدمة، إلى جانب تحسين المواصفات التقنية وخفض التكاليف. هذا النهج لا يقتصر على تحقيق الريادة في السوق، بل يتيح لها أيضًا الفوز بمشاريع مرجعية حاسمة خلال المراحل المبكرة. علاوة على ذلك، يمنح هذا التخصص الشركات فرصة لتطوير قدرات تكاملية متميزة تتيح لها التوسع في تطبيق تقنياتها عبر قطاعات صناعية متعددة.

تتجه بعض الشركات إلى التوسع لتصبح شركات لاعبة رئيسية تقدم مجموعة متكاملة ومتنوعة من التقنيات. يتيح هذا النهج للشركات المصنعة للأجهزة الأصلية دعم الصناعات في تحسين أنظمة الطاقة الخاصة بها، مع تصميم خطط شاملة تهدف إلى إزالة الكربون من منشآتها وعملياتها الإنتاجية. يتطلب هذا التحول غالبًا الجمع بين تقنيات متعددة، مثل أنظمة استعادة الحرارة، والمضخات الحرارية، وتقنيات إعادة ضغط البخار الميكانيكي، والغلايات الكهربائية. على سبيل المثال، في قطاع الأغذية والمشروبات، تُعد المضخات الحرارية خيارًا فعّالًا لأنها تمكّن من التحول من استخدام البخار إلى الماء الساخن، حيث أن العديد من العمليات لا تتطلب درجات حرارة تتجاوز 100 درجة مئوية. في الوقت نفسه، قد تكون الغلّايات الكهربائية ضرورية كحل احتياطي بفضل قدرتها على التشغيل السريع، مما يضمن استمرارية العمليات. ومع ذلك، فإن دمج هذه التقنيات بشكل فعّال يتطلب حلولًا مخصصة لتحقيق أفضل أداء ممكن. كما تتميز الشركات التي تقدم مجموعة متنوعة من الحلول بقدرتها على توفير خدمات استشارية وتقنية متقدمة تدعم القطاعات الصناعية المختلفة.

اختيار التقنية: هل تسعى للابتكار وتطوير حلول جديدة أم تركز على التوسع وزيادة نطاق التطبيق؟

تمتلك الشركات المصنعة للأجهزة الأصلية التي لها خبرة تقنية عميقة وعقلية ابتكارية، بالإضافة إلى استعدادها لتحمل المخاطر، فرصة كبيرة للريادة في السوق من خلال تقديم تقنيات جديدة تلبي احتياجات التطبيقات التي لم يتم معالجتها سابقًا، لا سيما في العمليات التي تتطلب حرارة مرتفعة. هذه الشركات، بفضل جرأتها في الابتكار، قادرة على بناء مكانة فريدة في السوق، مما يتيح لها تحقيق ميزة تنافسية واضحة. ومع تقديم حلول تقنية متقدمة، تصبح هذه الشركات في موقع متميز للاستفادة من هوامش ربح مرتفعة واستغلال فرص عمل جديدة.

وعلى الرغم من الفرص الواعدة التي يوفرها الابتكار في تقنيات العمليات ذات درجات الحرارة المرتفعة، إلا أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مستوى عالٍ من المخاطرة، لكنها في المقابل تحمل إمكانات ومكافآت كبيرة. يعتمد الابتكار في هذا المجال بشكل كبير على نضوج وتطور التقنيات الحديثة، ولكن معظم تقنيات التدفئة الكهربائية للحرارة المرتفعة لا تزال في مراحلها الأولية. وحاليًا، العديد من هذه التقنيات، (مثل أجهزة "e-crackers" والأفران الكهربائية)، لم تتجاوز مرحلة إثبات المفهوم أو التجارب الصغيرة، ولم تُطبق بعد على نطاق تجاري واسع. علاوة على ذلك، يتطلب اعتماد هذه التقنيات إعادة تصميم جذرية وشاملة للعمليات الصناعية في قطاعات حيوية مثل البتروكيماويات، وصناعة الأسمنت، وصهر المعادن.

ولتحقيق خطوات ملموسة نحو إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة، يمكن للشركات التقنية تبني استراتيجية الشراكة مع اللاعبين الرئيسيين في القطاع الصناعي لتنفيذ مشاريع تجريبية مبتكرة. وأفضل مثال على ذلك التعاون بين شركتي ( ABB و Coolbrook )، حيث يجمع هذا التعاون بين تقنية "RotoDynamic" المتقدمة من "Coolbrook" وخبرات "ABB" الرائدة في المحركات، والإلكترونيات الكهربائية، وأتمتة العمليات الصناعية. تهدف هذه الشراكة إلى تحويل تقنية "Coolbrook" إلى حل تجاري فعّال، مع التركيز على تطوير قدرتها للتوسع واستخدامها على نطاق واسع في مختلف القطاعات الصناعية.11

وكبديل استراتيجي، يمكن للشركات المصنعة للأجهزة الأصلية التركيز على تبني وتطوير التقنيات المثبتة والمتقدمة التي أثبتت فعاليتها في السوق. يتيح هذا النهج فرصة للتوسع ورفع الكفاءة من خلال تحقيق وفورات في الحجم، مما يعزز من قدرتها على تلبية احتياجات السوق بشكل مستدام. وعلى الرغم من أن هذا التوجه قد يواجه منافسة أكبر في السوق، إلا أنه يتميز بانخفاض مستوى المخاطر التقنية والمخاطر المرتبطة بالمشاريع، مما يجعله خيارًا أكثر استقرارًا مقارنة بالاستثمارات في التقنيات الناشئة. يُعتبر هذا النهج مثاليًا بشكل خاص للتقنيات المخصصة للعمليات الصناعية التي تتطلب درجات حرارة منخفضة إلى متوسطة، حيث يمكن لهذه الشركات الاستفادة من استقرار التكنولوجيا لتحقيق عوائد مستدامة.

اختيار السوق: ما هي المنطقة الجغرافية المثلى لنشاطك؟

من المرجح أن تضطر الشركات المصنعة للأجهزة الأصلية إلى تحديد المناطق الجغرافية والقطاعات الصناعية التي ترغب في التركيز عليها، حيث تختلف هذه المناطق في العديد من الجوانب، مثل الإطار التنظيمي، ومستوى الدعم الحكومي والتمويل، والجدوى المالية والربحية المتوقعة التي تعتمد على أسعار الوقود والكربون. ففي بعض المناطق، لا سيما في أوروبا، أصبحت بعض التقنيات مجدية اقتصاديًا أو قريبة جدًا من تحقيق الجدوى المالية، مما يجعلها خيارًا قابلًا للتطبيق في ظل الظروف الحالية ويرجع ذلك إلى السياسات المواتية مثل تسعير الكربون وأسعار الوقود التنافسية (على سبيل المثال، مقارنة أسعار الغاز بالكهرباء). أما في مناطق أخرى، مثل أمريكا الشمالية، فلا تزال التحديات قائمة بسبب انخفاض أسعار الوقود الأحفوري، مما يحد من الجدوى المالية للتحول الكهربائي. على الرغم من ذلك، هناك خطوات ملموسة لتسريع هذا التحول، كما يظهر في قانون "المباني الكهربائية بالكامل" في مدينة نيويورك، حيث يلزم هذا القانون جميع المباني الجديدة باستخدام التدفئة والأجهزة الكهربائية.12

وبشكل مشابه، تختلف احتياجات العملاء داخل نفس القطاع الصناعي بناءً على حجم أعمالهم ومتطلباتهم التشغيلية. فقد تواجه الشركات المصنعة للأجهزة الأصلية تنوعًا كبيرًا بين اللاعبين الرئيسيين الذين يحتاجون إلى مئات الميجاواط لتوليد الطاقة الحرارية، وبين الشركات الصغيرة المحلية التي تعتمد على أنظمة أقل حجمًا وأكثر تخصصًا. على سبيل المثال، في قطاع الأغذية والمشروبات، قد تحتاج شركات الألبان الكبرى إلى أنظمة حرارية ضخمة تدعم عمليات إنتاجية واسعة النطاق، بينما تعتمد مصانع الجعة المحلية الصغيرة على حلول بسيطة ومصممة خصيصًا لتلبية احتياجاتها المحدودة.

نهج الوصول إلى السوق: ما هي استراتيجيتك للتواصل مع العملاء المحتملين؟

يتطلب النجاح في سوق التدفئة الكهربائية الصناعية فهمًا شاملاً لاحتياجات العملاء والمعايير الرئيسية التي يعتمدون عليها عند اتخاذ قرارات الشراء. ففي الماضي، كان معظم اللاعبين الصناعيين يعتمدون على حلول التدفئة التقليدية المعتمدة على الوقود الأحفوري، وبالتالي سيحتاج الكثير منهم إلى بناء الثقة والاطمئنان قبل التحول إلى التقنيات الجديدة. لتحقيق ذلك، يجب على الشركات التعرّف على أداء وموثوقية هذه التقنيات الحديثة، مع توفير الشفافية الكافية حول أدائها التجاري والمخاطر المرتبطة بها، مثل التغيرات المحتملة في اللوائح التنظيمية وأثرها على أسعار الوقود. ومع مرور الوقت، يمكن للشركات أن تصبح أكثر دقة في تحديد احتياجات العملاء من خلال إجراء تحليلات حساسية لتحديد تكاليف التدفئة المتوازنة، اعتمادًا على نماذج المحاكاة المتقدمة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاعبين في مجال التكنولوجيا توسيع نطاق عروضهم لتشمل تقديم الحلول التقنية جنبًا إلى جنب مع خدمات استشارية فنية متخصصة. تشمل هذه الخدمات وضع خارطة طريق شاملة لإزالة الكربون، مع تحديد أولويات العمليات الأساسية التي يجب تحويلها لتقليل الانبعاثات عبر سلسلة القيمة. كما يمكن تقديم خيارات لتحسين كفاءة الطاقة أو تحديث الأنظمة الحالية، وكذلك تقديم استشارات حول كيفية دمج العمليات ومتطلبات البنية التحتية عند الاستثمار في أصول جديدة للتدفئة الكهربائية. من ناحية أخرى، يتطلب هذا النهج وجود فريق مبيعات نشط ومؤهل داخل كل صناعة، بحيث يمتلك فهمًا عميقًا للعمليات المطلوبة، مما يمكنه من تقديم استشارات فعالة ومبنية على معرفة شاملة.

وباختصار، تتلخص العناصر الأساسية لاستراتيجية الدخول إلى السوق في ثلاثة جوانب رئيسية: الأبحاث السوقية (التي تتضمن تحديد الاتجاهات الرئيسية في الصناعة وفهم احتياجات العملاء)، والشراكات الاستراتيجية القابلة للتنفيذ (مثل التعاون مع مزودي الطاقة والمقاولين المتخصصين في الهندسة والبناء)، والمبيعات التقنية (فرق مبيعات متخصصة تقدم دعمًا بعد البيع لضمان الموثوقية العالية). بالإضافة إلى ذلك، تعد الخدمات الرقمية التي تهدف إلى تحسين عمليات تشغيل أصول التدفئة جزءًا مهمًا من استراتيجيات الدخول إلى السوق. وفي هذا السياق، أظهرت أبحاثنا أن نموذج "التدفئة كخدمة" داخل العمليات الصناعية أقل شعبية مقارنة بتقنيات التوليد المحلي للطاقة والحرارة المشترك. ومع ذلك، ونظرًا للحاجة إلى استثمار رأسمالي إضافي والتحديات التقنية التي ترافق تقنيات التدفئة الكهربائية، قد يفضل العملاء في القطاع الصناعي، الذين يهتمون بالموثوقية العالية، اعتماد نموذج "التدفئة كخدمة"، حيث يوفر لهم هذا النموذج مرونة أكبر ويقلل من التكاليف المرتبطة بالاستثمار الرأسمالي.


إن تحدي إزالة الكربون في الصناعات يعد من التحديات الكبيرة، ولكن قادة الصناعة يمكنهم البدء في تحويل العمليات الصناعية نحو الكهرباء اليوم، حيث تبدأ الخطوة الأولى من خلال تقييم البنية التحتية الحالية وتحديد متطلبات الاستثمار اللازمة، ومن ثم يمكن للقادة تحديد المسارات الأنسب لتحقيق إزالة الكربون. بعد ذلك، يمكن للشركات المصنعة للأجهزة الأصلية أن تبدأ في الإجابة على الأسئلة الاستراتيجية المتعلقة بأعمالها، وهو ما يتطلب تحليلًا دقيقًا واختيار التقنيات الصحيحة. في النهاية، فإن تنفيذ هذه الخطوات بالشكل الصحيح قد يكون الفارق بين البقاء في طليعة التطور الصناعي أو التراجع عنه.

Explore a career with us